العرب في بريطانيا | هل أصبح الدفع نقدًا آخر حيلة ضريبية “مقبولة” في...

1447 شعبان 8 | 27 يناير 2026

هل أصبح الدفع نقدًا آخر حيلة ضريبية “مقبولة” في بريطانيا؟

هل أصبح الدفع نقدًا آخر حيلة ضريبية “مقبولة” في بريطانيا؟
عبلة قوفي October 19, 2025

رغم التوجه المتزايد نحو المعاملات الرقمية في بريطانيا، لا يزال الدفع نقدًا يحتفظ بمكانة بارزة في الحياة اليومية، سواء في أعمال البناء أو تنظيف النوافذ أو حتى الدروس الخصوصية. ومع تزايد الأعباء الاقتصادية وارتفاع التكاليف التشغيلية، أصبح التعامل النقدي بالنسبة إلى كثير من الأفراد والشركات الصغيرة وسيلة عملية لإدارة النفقات أو الحفاظ على مرونة السيولة.

لكن هذا التحول المتزايد نحو “الاقتصاد النقدي” يثير في المقابل قلقًا حكوميًا متناميًا، إذ تُقدّر الخسائر الناجمة عن الضرائب غير المحصلة بنحو 2.3 مليار باوند سنويًّا، بحسب بيانات رسمية. وتُجبر هذه الفجوة الخزانة البريطانية على البحث عن موارد بديلة لسد العجز، وهو ما قد ينعكس في زيادات ضريبية محتملة في الميزانية المقبلة.

بين الواقع الاقتصادي والمسؤولية القانونية

يرى خبراء الاقتصاد أن الدفع نقدًا لا يعني بالضرورة المشاركة في التهرب الضريبي، إذ يلجأ إليه بعض المستهلكين لتوفير المال في ظل ارتفاع الأسعار، فيما تستخدمه شركات صغيرة لتغطية نفقاتها اليومية بسرعة دون الاعتماد على أنظمة مصرفية بطيئة أو مكلفة.

في المقابل، تحذر هيئة الإيرادات والجمارك البريطانية (HMRC) من أن عدم الإفصاح عن الدخل النقدي يُعد مخالفة قانونية، وتشير إلى أن نحو 5 في المئة من فجوة الضرائب المقدرة بـ46.8 مليار باوند يعود إلى ما يُعرف بـ“الاقتصاد الخفي” الذي يشمل الأنشطة غير المسجلة رسميًا.

ويُلزم القانون البريطاني كل من يعمل لحسابه الخاص بتقديم إقرار ضريبي إذا تجاوز دخله ألف باوند سنويًّا، فيما تُفرض ضريبة القيمة المضافة على الشركات التي تتجاوز مبيعاتها 90 ألف باوند سنويًا.

ضغوط متزايدة على الشركات الصغيرة

تواجه الشركات الصغيرة تحديات متراكمة نتيجة ارتفاع الحد الأدنى للأجور إلى 12.21 باوند للساعة وارتفاع نسبة التأمين الوطني الذي يتحمله أصحاب العمل إلى 15 في المئة. ووفقًا لاتحاد الشركات الصغيرة، يوجد في بريطانيا أكثر من 5.6 مليون شركة صغيرة، بزيادة 27 في المئة منذ عام 2010، ما يعكس حجم هذه الشريحة في الاقتصاد الوطني ودورها الحيوي في التوظيف والإنتاج.

ولذلك يرى كثير من أصحاب الأعمال أن الدفع نقدًا يساعدهم في الاستمرار ومواجهة ارتفاع التكاليف، لا سيما في قطاعات مثل المطاعم وصالونات التجميل وأعمال البناء، التي تعتمد بدرجة أكبر على التعاملات اليومية المباشرة.

تزايد الاعتماد على السحب النقدي

تشير بيانات شركة Link إلى أن 13 في المئة من البريطانيين يدفعون نقدًا في صالونات التجميل، و9 في المئة يستخدمونه في خدمات المنازل والحدائق. ورغم انخفاض عدد عمليات السحب منذ جائحة كورونا، فقد ارتفع متوسط المبالغ المسحوبة بنسبة 36 في المئة مقارنة بعام 2019.

وتتيح بعض المؤسسات المالية، مثل (Nationwide Building Society)، سحب مبالغ كبيرة تصل إلى 10 آلاف باوند يوميًّا من الفروع، وحتى 500 ألف باوند بإشعار مسبق، وهو ما يعكس استمرار الطلب القوي على النقد في بعض المعاملات الكبرى، كأعمال التجديد أو إصلاح المنازل.

ثقافة “العمل نقدًا” والجدل المجتمعي

تزايد النقاش في بريطانيا حول ما يُعرف بـ“العمل نقدًا”، إذ يرى البعض أنه أصبح جزءًا من ثقافة اقتصادية موازية فرضتها الظروف المعيشية الصعبة، بينما يعتبره آخرون تهديدًا للشفافية الضريبية.

وقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي، مثل “تيك توك”، في تسليط الضوء على هذه الظاهرة، سواء من خلال مقاطع يبرر فيها بعض العاملين لجوءهم إلى النقد كوسيلة للبقاء، أو من خلال دعوات لفرض رقابة أشد على هذه الممارسات.

الموقف الحكومي والرقابي

تؤكد هيئة الإيرادات والجمارك أن استخدام النقد قانوني تمامًا، شريطة الإفصاح عن الدخل ودفع المستحقات الضريبية. وتشير لجنة الحسابات العامة إلى أن الشركات الصغيرة تمثل نحو 81 في المئة من الضرائب غير المدفوعة في عام 2022-2023، بعدما كانت النسبة 66 في المئة فقط قبل ثلاث سنوات.

ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى الهيئة بالتقاعس عن التعامل مع المشكلة، يرى مراقبون أن الحل لا يكمن فقط في تشديد الرقابة، بل أيضًا في دعم الشركات الصغيرة وتبسيط النظام الضريبي لتشجيع الامتثال الطوعي وتخفيف الأعباء الإدارية.

المصدر: The Sunday Times 


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة