العرب في بريطانيا | لماذا يقلّ حضور العائلات الفلسطينية والعربية في...

1447 رمضان 18 | 07 مارس 2026

لماذا يقلّ حضور العائلات الفلسطينية والعربية في مظاهرات فلسطين ببريطانيا؟

مقالFHD-copy (1) (1)
عدنان حميدان January 10, 2026

في كل موجة تضامن مع فلسطين، يتكرر المشهد نفسه:
حشود بريطانية لافتة في الشوارع، نشطاء من خلفيات عرقية مختلفة يملؤون الساحات،
ثم يخرج من بيننا من يسأل – أحيانًا بمرارة وأحيانًا بلوم قاسٍ –
أين العائلات الفلسطينية والعربية؟
لماذا لا نراهم بالزخم نفسه؟

السؤال مفهوم.
لكن طريقة طرحه… في كثير من الأحيان، ليست عادلة.

لأننا حين نختصر المشهد في صورة واحدة، نرتكب ظلمًا مزدوجًا:
نظلم من حضروا فعلًا،
ونظلم من غابوا لأسباب أعمق من الكسل أو اللامبالاة.

لسنا أبناء ساحة واحدة

من الخطأ الكبير أن نتعامل مع العرب والفلسطينيين والمسلمين في بريطانيا كأنهم كتلة واحدة لها الخلفية نفسها، والتجربة نفسها، والجرأة نفسها.

كثيرون من أهلنا جاؤوا من بيئات تعلّم الخوف لا المشاركة،
ومن أنظمة ترى في العمل العام مخاطرة،
وفي التظاهر تهديدًا،
وفي السياسة بابًا للمتاعب لا للكرامة.

كبروا على فكرة أن السلامة في الصمت،
وأن النجاة في الابتعاد،
وأن “اللي ماله دخل… يرتاح”.

هذه ليست تهمة.
هذه ذاكرة جمعية تشكّلت تحت القمع، لا تحت الحرية.

ثلاثة أنماط… لا فئة واحدة

وقفة تضامنية مع غزة

حين ننظر بإنصاف، نكتشف أن أبناء العرب والفلسطينيين هنا ليسوا غائبين…
بل حاضرين بطرق مختلفة.

1. الحاضرون بقوة

وهؤلاء نعرفهم جيدًا:
في الصفوف الأولى، في التنظيم، في الهتاف، في الإعلام،
يدفعون ثمن حضورهم أحيانًا في وظائفهم، في علاقاتهم، في راحتهم النفسية.
هؤلاء لا يحتاجون شهادة أحد.

2. الحاضرون بحذر

يأتون إلى المظاهرة،
يمشون في الوسط،
يشربون قهوتهم، يسلّمون على الأصدقاء،
يغادرون قبل النهاية.
ليسوا متخاذلين… بل أبناء خوف قديم يحاولون أن يشاركوا بطريقتهم، دون أن يكسروا السقف الذي تربّوا تحته.

3. الحاضرون بلا لافتة عربية

وهؤلاء قصة مختلفة تمامًا:
منخرطون في حراكات يسارية، نقابية، حقوقية.
يهتفون لفلسطين…
لكن ليس تحت راية “العرب” ولا “الفلسطينيين”.
أحيانًا لا يتقنون العربية،
وأحيانًا لا يعرفهم أحد في مجتمعنا،
لكنهم موجودون في قلب المعركة، فقط بلغة أخرى وهوية أخرى.

حين نجلد أنفسنا… نكسر ما بقي

الشرطة البريطانية تعتقل متضامنين مع “بال أكشن” خلال احتجاجات لندن

أكثر ما يؤذينا في هذا النقاش، ليس الغياب…
بل جلد الذات.

حين نقارن أنفسنا بالآخرين بطريقة قاسية،
ونحوّل النقد إلى محاكمة،
نزرع الإحباط بدل أن نبني الجسور.

التضامن ليس مسابقة حضور.
ولا بطولة أرقام.
ولا سباق صور على المنصات.

هو مسار طويل،
يحتاج صبرًا على الناس كما يحتاج غضبًا على الظلم.

الإنجليز لم يولدوا شجعانًا… تعلّموا الشجاعة

كثير ممن نُعجب اليوم بحضورهم من البريطانيين،
لم يولدوا بهذه الجرأة.
هم أبناء مدارس، ونقابات، وجامعات،
تربّي على الاحتجاج،
وتكافئ المشاركة،
ولا تجرّم الصوت العالي.

أما نحن، فكثيرون منا أبناء:
مخابرات،
وملفات،
ومخاوف السفر،
وحسابات الإقامة،
وهاجس “شو بدهم يقولوا عنّا”.

الفارق ليس في الأخلاق…
بل في البيئة.

لا تدينوا أهلكم… افهموهم.
لا تحاكموا الناس من الشارع… بل من تاريخهم.
ولا تطلبوا من الجميع أن يكونوا نسخة واحدة من الشجاعة.

القضية أكبر من أن نُضعف بعضنا في داخلنا.
وفلسطين أكرم من أن تكون سببًا في انقسامنا على بعضنا.

في معركة طويلة كهذه،
نحتاج كل أشكال الحضور…
حتى ذلك الحضور الخجول،
الذي قد يكون اليوم صامتًا،
لكنه غدًا… قد يهتف حين يجد الأمان.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا