“لا مستقبل لليهود البريطانيين”.. عنوان مثير في صحيفة عبرية
لفت الانتباه مقالٌ منشور في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية الأربعاء الـ7 من يناير 2026، حمل عنوانًا لافتًا: “لا مستقبل لليهود البريطانيين”، للكاتب شموئيل تشايك، أحد الشخصيات القيادية في الأوساط اليهودية البريطانية _كما عرف نفسه_ في المقال.
المقال يقدّم صورة قاتمة لمستقبل الوجود اليهودي في بريطانيا، ويذهب إلى حد التحذير من “زلزال تاريخي” يهدد استقرار اليهود في البلاد، بعد التطورات التي أعقبت حرب غزة منذ الـ7 من أكتوبر.
ويستند الكاتب إلى معطيات صادرة عن منظمات يهودية، ليقول إن غالبية اليهود البريطانيين لم يعودوا يرون مستقبلًا لهم في بريطانيا، وإن 61 في المئة فكروا في الهجرة خلال العامين الماضيين. كما يربط بين ما يصفه بارتفاع حوادث معاداة السامية وبين التحولات الديموغرافية، موجّهًا اتهامات مباشرة للجاليات المسلمة والمهاجرة، ومحمّلًا الحكومات البريطانية مسؤولية ما يسميه “التراخي” في مواجهة التطرف.
بين القلق المشروع والسردية الإقصائية

لا شك أن أي اعتداء أو تحريض ضد اليهود في بريطانيا مرفوض ومدان بشكل قاطع، ويمثل انتهاكًا للقيم التي يقوم عليها المجتمع البريطاني. لكن الإشكال في المقال لا يكمن في الإقرار بهذه الحقيقة، بل في الطريقة التي تُقدَّم بها الأزمة:
إذ ينتقل الكاتب من توصيف القلق الأمني إلى تعميمات واسعة تطول المهاجرين والمسلمين، ويستدعي خطاب “التهديد الديموغرافي” الذي عانت منه أقليات كثيرة في أوروبا تاريخيًّا، وكان اليهود أنفسهم من أبرز ضحاياه.
وما يلفت النظر في هذا السياق، هو أن المقال يتجاهل كليًّا السياق الأوسع الذي خرج فيه مئات الآلاف في بريطانيا إلى الشوارع احتجاجًا على الإبادة الجارية في غزة، في مظاهرات شارك فيها يهود بريطانيون كُثُر إلى جانب الفلسطينيين والعرب وغيرهم، باستثناء فئة لا تزال تؤيد الصهيونية وتدافع عنها سياسيًّا وإعلاميًّا.
ورغم الزخم الكبير للتظاهرات المؤيدة لفلسطين، لم تشهد بريطانيا -وفق ما هو موثّق إعلاميًّا ورسميًّا- أي حادثة اعتداء على يهود ضمن هذه المسيرات، بل كان اليهود المعارضون للحرب جزءًا منها في مدن عديدة، ما يطرح تساؤلًا جديًّا عن محاولة الخلط بين التظاهر ضد سياسات إسرائيل والاعتداء على اليهود لأنهم يهود.
ماذا تقول الأرقام الرسمية البريطانية؟

هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين الأرقام المتداولة إعلاميًّا والمعطيات الرسمية المعتمدة في بريطانيا.
فالأرقام التي يوردها المقال -مثل الحديث عن آلاف الحوادث المعادية للسامية سنويًّا- مصدرها الأساسي منظمات أهلية تقوم بعمل مهم، لكنه يختلف في منهجيته عن الإحصاءات الحكومية.
أما المرجع الرسمي في بريطانيا فهو وزارة الداخلية (Home Office) وبيانات الشرطة، التي تدرج معاداة السامية ضمن إطار أوسع يُسمّى جرائم الكراهية الدينية، ولا تفصلها دائمًا بالطريقة التي تظهر في تقارير المنظمات غير الحكومية.
وتُظهر التقارير الحكومية أن:
جرائم الكراهية الدينية لا تستهدف اليهود وحدهم، بل تطول المسلمين وأقليات أخرى أيضًا بنسب مرتفعة في فترات مختلفة.
طرق تسجيل هذه الجرائم تغيّرت وتطوّرت خلال السنوات الماضية، ما يعني أن جزءًا من الارتفاع في الأرقام يعود إلى تحسّن الإبلاغ والتوثيق، لا إلى تصاعد موضوعي ثابت في الكراهية وحده.
لا توجد في البيانات الرسمية لغة تتحدث عن “انهيار وجود يهودي” أو “فقدان شامل للأمان”، بل عن عقبات أمنية واجتماعية تتطلب سياسات حماية شاملة لكل الفئات.
وبذلك، يصبح من الضروري التمييز بين:
• واقع مقلق يجب معالجته بجدية.
• وتوظيف سياسي وإعلامي للأرقام يقدّم صورة أحادية، توحي بأن بريطانيا باتت بيئة طاردة لليهود، دون سند حاسم من الإحصاءات الحكومية المعتمدة.
من الخوف إلى التحريض المضاد؟

في خاتمة مقاله، يدعو تشايك اليهود البريطانيين إلى التفكير الجدي في الهجرة، معتبرًا أن البقاء في البلاد لم يعد خيارًا آمنًا. وهو يقدّم هذه الدعوة بوصفها “تنبيهًا تاريخيًّا” لا “ذعرًا”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل حماية اليهود في بريطانيا تتحقق عبر تعزيز سياسات مكافحة الكراهية بكل أشكالها؟
أم عبر تغذية خطاب يستهدف المسلمين والمهاجرين، ويحوّل مأساة إنسانية كبرى -هي الإبادة في غزة- إلى هامش ثانوي في السردية، مقابل تضخيم رواية الخطر الداخلي؟
هذا المقال العبري، بما يحمله من لغة حادة وسرديات شاملة، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل المشروع:
• هل ارتفاع بعض مؤشرات معاداة السامية حقيقة تستوجب القلق؟ نعم.
• لكن هل الردّ عليها يكون بتعميم الاتهام على جماعات دينية ومهاجرة كاملة؟
• وهل الخلط بين نقد إسرائيل ومعاداة اليهود يحمي اليهود فعلًا، أم يزيد الاستقطاب ويعمّق الانقسام؟
• ثم: أليست هذه السردية التي تصوّر بريطانيا كبلد يفقد “هُويته” بسبب المهاجرين، هي ذاتها السردية التي استُخدمت تاريخيًّا ضد اليهود أنفسهم في أوروبا؟
في منصة العرب في بريطانيا، ننظر إلى هذا المقال لا بوصفه حقيقة نهائية، بل جزءًا من صراع سرديات محتدم بشأن الهُوية، والهجرة، والأمن، وحدود حرية التعبير.
وإذا كان من حق أي جماعة أن تشعر بالخوف وتطالب بالحماية، فإن تحويل هذا الخوف إلى خطاب إقصائي لا يصنع أمانًا دائمًا، بل يؤسس لدائرة جديدة من الريبة والانقسام.
يبقى السؤال الأهم: هل يُبنى مستقبل التعايش في بريطانيا عبر سياسات التخويف المتبادل، أم عبر مواجهة كل أشكال الكراهية -ضد اليهود، وضد المسلمين، وضد أي مكوّن آخر- بمنطق العدالة المتساوية لا بمنطق الاصطفاف؟
المصدر: ynet
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
