العرب في بريطانيا | في رثاء الشيخ محمد المقرمي

1447 رمضان 12 | 01 مارس 2026

في رثاء الشيخ محمد المقرمي

في رثاء الشيخ محمد 1المقرمي
عادل يوسف January 6, 2026

الرثاءُ مديحٌ تأخَّر عن موعده حياةً كاملة.
 – محمود درويش

يذكر الدكتور محمد فتحي فرج في مقدمة كتابه «أعلام نسيهم الإعلام» سبب تأليفه، فيقول:

“أصبح العالم قريةً صغيرة، تنتقل فيها المعارف بسرعة البرق، ومع هذه السرعة ننسى بعض الشخصيات التي أسدت للبشرية أعظم الإفادات. ففي هذا الكتاب نحاول أن نُزيل الستر عمّن أخفتهم الأيام ونسيهم الإعلام، فنقرأ بصورة مبسطة عن أناسٍ لم تُسعدنا الحياة برؤيتهم”.

لك الحمد يا الله كم شدّني وجدُ
لحمدك، إجلالًا، لك الشكر والحمدُ
لك الحمد إن القرب منك وسيلةٌ
إليك، وأما البُعد يا سيدي بُعدُ


إن مرَّ بصرك على عنوان مقالتي، ثم راودتك الحيرة عمّن أُهدي إليه، فتلك الأبيات أول ما ستُشنِّف به مسامعك من شيخنا، عليه رحمات المولى، إذ كان كثيرًا ما يترنّم بها في افتتاحية محاضراته.

وهو، لمن لا يعرفه، الشيخ الفاضل المفضال، الربّاني، الأديب الأريب، البعيد عن المهاترات والرذائل، القريب من الصفات الحميدة والسجايا الرفيعة، العارف بالله، المهندس محمد عبدالله المقرمي.

قلت: سبحان من إذا أقرَّ محبته لعبده طوى له قلوب الخلائق.


رجلٌ تعلّق قلبه بالله، فكانت كل حركاته وسكناته مملوءةً به. فمن زاويته المتواضعة في منزله بقرية الشمايتين في مدينة تعز اليمنية، أتمّ درجة البكالوريوس في هندسة الطيران، ثم تاقت روحه إلى التحليق أبعد من ذلك، كما يقول هو عن نفسه:

بعد جلسات تأمّل ومراجعة للذات امتدت لسنوات من البحث في النصوص الدينية، ورغبةً مني في معرفة الله والدعوة إليه.

انتقل الشيخ من المجال الهندسي إلى العمل الدعوي انتقالًا متناغمًا بديعًا، إذ استند إلى خلفيته العلمية في تشكيل منهجه الدعوي الإصلاحي، فكان يرتّب أفكاره بطريقة هندسية منهجية، يتلقفها الجمهور بكل أطيافه بيسرٍ وسهولة.

خليليَّ قُطّاعُ الفيافي إلى العُلا
كثيرٌ، ولكن الواصلين قليلُ
وجوهٌ عليها للقبول علامةٌ
وليس على كل الوجوه قبولُ


وأكثر ما شدّني عبارة ذيّلها أحد مرتادي مجالسه، يقول فيها، بتصرّف:

معه ينتابك شعور أنه يحدّثك أنت دون البقية، يفكّك مشاكلك، ويحلّ مخاوفك عُروةً عُروة، فيخرج الجميع وقد نال كلٌّ بُغيته، كأنهم كانوا في الجنة.

قلت: سبحان من إذا كتب القبول لعبده زاده على محاسنه محاسن غيره.


وأزعم أن أعظم الدروس المستفادة من حياة الشيخ اشتغاله فيما يُحسن. لم يتلوّن، ولم يرتدِ جلباب غيره، ولم يُدخل الأعجمية في خطابه، مع تمكنه من اللغة الإنجليزية، بل كان هو هو؛ الرجل الطيب المتواضع كما عرفه أهل قريته، بلهجته اليمنية الجميلة، تخرج من فيه الكلمات الصادقة السهلة.

كما يقول الفيلسوف المغربي سعيد ناشيد في كتابه «نقد القوة»:

اعمل على استكشاف الطاقة الكامنة في مكامن ضعفك.

ويكمل في موضع آخر:

تكمن إحدى المعادلات المنسية في أن الضعف قد لا ينبع إلا من سوء استعمال القوة، وأن القوة قد لا تنبع في المقابل إلا من حسن استعمال نقاط الضعف.
> نقاط قوتنا حين لا نحسن استعمالها هي نقاط ضعفنا تمامًا، ونقاط ضعفنا حين نحسن استعمالها هي نقاط قوتنا تمامًا.

قلت: من لزم الصدق أعلاه الله وبارك فيه، ومن جانبه وضعه من حيث أراد الرفعة لنفسه.


في صباح يوم الأربعاء الموافق 16 جمادى الآخرة / 26 نوفمبر 2025، تلقت الأمة نبأ رحيل الشيخ، المغفور له بإذن الله، إذ اختار له ربه أجود الأوقات، قبيل صلاة الفجر، حيث تصفو الأجواء من زفير المنافقين، وخير البقاع، بجوار بيته الحرام، الكعبة المشرفة.

وإن كنت أزعم أني ضنين القول في الأحياء، فالشيخ قد أفضى إلى ما قدّم، ونحسبه كذلك، ولا نزكّي على الله أحدًا.

ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى
أن الكواكب في التراب تغورُ
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى
رضوى على أيدي الرجال تسيرُ
خرجوا به ولكل باكٍ خلفه
صفعاتُ موسى يوم دُكَّ الطورُ

قلت: سبحان الله، دائمًا يذهب من يستحق البقاء.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا