العرب في بريطانيا | صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف ا...

1447 رمضان 13 | 02 مارس 2026

صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف الاقتصاد 4 مليارات باوند

صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف الاقتصاد 4 مليارات باوند
اية محمد January 12, 2026

في مطلع التسعينيات أطلق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجور خطًّا هاتفيًّا لتلقي شكاوى السائقين من أعمال الطرق والمخاريط المرورية، عُرف إعلاميًّا باسم “Cones Hotline”، لكنه قوبل حينها بسخرية واسعة النطاق واعتُبر رمزًا لحكومة ضعيفة. غير أن المشكلة التي سلّط الضوء عليها عادت اليوم بصورة أشد، مع تصاعد غير مسبوق في حجم الإغلاقات والقيود المرورية المرتبطة بأعمال الصيانة وتحديث البنية التحتية.

تضاعف الإغلاقات خلال عامين: من 203 آلاف ميل إلى أكثر من 425 ألفًا

صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف الاقتصاد 4 مليارات باوند

أظهرت أرقام صدرت العام الماضي أن حجم أعمال الطرق في بريطانيا ارتفع بسرعة كبيرة خلال فترة وجيزة، إذ أكثر من تضاعف إجمالي مسافات الإغلاقات خلال عامين: من 203,000 ميل من الإغلاقات في 2023 إلى أكثر من 425,000 ميل في 2025. وبات السائقون يواجهون باستمرار إشارات مرور مؤقتة، وإغلاق مسارات على الطرق السريعة، ولافتات تلزم بخفض السرعة حتى في مواقع لا تظهر فيها أي فرق عمل.

وبحسَب وزارة النقل، لا تزال معظم الرحلات في بريطانيا تُقطع عبر الطرق، ما يجعل الاضطراب المروري قضية يومية تمس قطاعات كبيرة من الناس والاقتصاد، وليس مجرد “شكوى هامشية”. ويشير مقدّم برنامج (Any Questions) على (BBC Radio 4) إلى أن تراكم أعمال الطرق ينعكس على المزاج العام ويعمّق خيبة الأمل لدى كثيرين خلال تنقلاتهم.

روكديل نموذجًا: أعمال مرافق تمتد شهورًا وتضر بالتجارة

ضمن برنامج (Highways to Hell)، عرضت أنجيلا كولينج، التي تدير متجرًا صغيرًا لمستلزمات الحيوانات الأليفة داخل مجمّع تسوق في روكديل، تأثير أعمال الطرق الممتدة على الأعمال الصغيرة. فالطريق أمام متجرها خضع لأعمال مستمرة لأشهر؛ بسبب مشاريع شركات المرافق لتطوير قطاعات الغاز والمياه وشبكة الإنترنت ذات النطاق العريض. ورغم تأكيد الشركات أن الأعمال “ضرورية”، تقول كولينج: إن الازدحام بات “خانقًا” وأضر بالمبيعات، موضحة أن الزبائن يتجنبون المنطقة عندما تطول مدة الأعمال.

وتقدّر وزارة النقل أن الازدحام والتأخيرات الناجمة عن أعمال المرافق وأعمال الطرق على الطرق المحلية في إنجلترا كلفت الاقتصاد 4 مليارات باوند خلال 2022-2023. وفي السياق نفسه، تشير رابطة الحكم المحلي إلى أن أعمال المرافق المعروفة باسم “أعمال الشوارع” ارتفعت بنحو 30 في المئة خلال العقد الماضي، مدفوعة بمشاريع تحديث البنية التحتية مثل توسيع الإنترنت، وتطوير شبكات الطاقة والمياه. ومع توجهات الحكومة لزيادة البناء السكني، يتوقع مراقبون أن تتضاعف الضغوط والاضطرابات في السنوات المقبلة.

شيخوخة شبكة الطرق: “نهاية العمر التشغيلي” تعني مزيدًا من الأعمال

صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف الاقتصاد 4 مليارات باوند

عامل آخر يزيد الأزمة يتمثل في تقادم شبكة الطرق السريعة التي شهدت طفرة بناء كبيرة خلال الستينيات. وتوضح نيكولا بيل، المسؤولة عن المشاريع الكبرى في (National Highways) (الجهة المسؤولة عن شبكة الطرق الاستراتيجية في إنجلترا)، أن كثيرًا من هذه الأصول يقترب من نهاية عمره التشغيلي، ما يجعل أعمال الصيانة والتحديث أمرًا لا مفر منه. وتربط بيل بين تصاعد الأعمال الحالية وما تصفه بأنه فترات نقص استثمار سابقة أدت إلى تراكم الحاجة للإصلاح والتجديد.

على الأرض، يصف بريت باينز، الذي يعمل سائق شاحنة ثقيلة (HGV) منذ ما يقارب ثلاثين عامًا، واقعًا يوميًّا من القيود المتتالية. ويقول: إن السائق قد يخرج من منطقة أعمال طرق ليجد نفسه بعد وقت قصير داخل منطقة أخرى، مضيفًا أن بعض المواقع تثير تساؤلات السائقين؛ لأنهم لا يرون أي عمال رغم استمرار القيود.

تقرير برلماني يسلط الضوء: تجاوز المدد وسوء الإصلاح وضعف التنسيق

مع تصاعد الانتقادات، ركّزت جهات رقابية وسياسية على طريقة إدارة الأعمال. فقد أشار تقرير للجنة النقل في مجلس العموم العام الماضي إلى مشكلات متعددة في إدارة الطرق المحلية، من بينها تجاوز أعمال الطرق للمدد المحددة، ورداءة بعض أعمال الإصلاح، وضعف التنسيق والتواصل بين شركات المرافق والمجالس المحلية، وهي عوامل تزيد التعطيل وتغذي الاستياء العام.

ضمن محاولات الحد من التمديد غير المبرر للأعمال، أعلنت الحكومة أنها ضاعفت الغرامات التي يمكن فرضها على شركات المرافق عند تجاوز المدد في أعمال الشوارع. كما تُطرح توسعة نظام “تأجير المسارات” كأداة إضافية، بحيث تستطيع المجالس فرض رسوم تصل إلى 2,500 باوند يوميًّا على الأعمال في أكثر الطرق ازدحامًا خلال أوقات الذروة، بهدف دفع الشركات لإنهاء الأعمال بسرعة وكفاءة أكبر. وتطبق بعض المجالس هذه الآلية بالفعل، ومن المتوقع أن يحصل رؤساء البلديات المنتخبون مباشرة على صلاحيات لتطبيقها قريبًا. لكن شركات المرافق تحذر من أن هذه التكاليف قد تنعكس على الفواتير وتُنقل إلى الناس.

شركات المرافق: “بعض الإزعاج لا يمكن تجنبه”

صيانة الطرق تعطل حركة السير في بريطانيا وتكلف الاقتصاد 4 مليارات باوند

من جهته يقول كلايف بايرستو، الرئيس التنفيذي لـ(Street Works UK): إن أنظمة إدارة التعطيل موجودة بالفعل، لكنه يرى أن جزءًا من الإزعاج “حتمي” إذا أرادت بريطانيا تحديث مرافقها وفق معايير جيدة، معتبرًا أن تحمّل بعض “الضيق” مؤقتًا هو ثمن تطوير بنية تحتية قادرة على دعم التقدم.

M25 والحدائق الملكية: 300 مليون باوند ومئات الآلاف من الزوار المترددين

تقدم الجمعية الملكية للبستنة (RHS) مثالًا بارزًا على كلفة التعطيل خارج إطار السائقين وحدهم. فحدائق (Wisley) تقع قرب المخرج 10 من الطريق الدائري (M25) في سَري، وهو من أكثر الطرق ازدحامًا. ومنذ 2022 أنفقت (National Highways) أكثر من 300 مليون باوند على مشروع كبير للحد من الازدحام وتحسين السلامة في تلك المنطقة. إلا أن (RHS Wisley) تقول: إن أعمال الطرق تنفّر نحو 350 ألف زائر سنويًّا.

حلول تشغيلية: إغلاقات كاملة في عطلات نهاية الأسبوع بدل “الألم الطويل”

وفي سياق محاولات تقليل آثار الأعمال الكبرى، لجأت (National Highways) في المخرج 10 إلى إغلاق كامل خلال عدد من عطلات نهاية الأسبوع؛ لتقليل الضرر الناجم عن قيود جزئية استمرت وقتًا طويلًا. ونُفذ نهج مشابه على الطريق السريع M27 بين بورتسموث وساوثهامبتون، حيث أُغلق جزء كبير من الطريق خلال فترة عيد الميلاد لتركيب نفق سفلي يخدم مشروع تطوير جديد. ووصف مديرو المشروع هذا النهج بأنه “صدمة قصيرة وحادة” أُعلِن عنها مسبقًا بدل قيود جزئية طويلة، وأُنجز المشروع قبل الموعد.

وترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن تحديث البنية التحتية في بريطانيا ضرورة لا خلاف فيها، لكن الضرورة لا تبرر سوء الإدارة. فحين تتحول أعمال الطرق إلى تعطيل طويل بلا تفسير واضح أو جدول زمني مُعلن، تصبح النتيجة أضرارًا مباشرة على الناس والأعمال الصغيرة، وخسائر اقتصادية تُقدّر بالمليارات. وتؤكد المنصة أن الحل لا يكون في “تحميل الجمهور فاتورة الإزعاج” وحده، بل في رفع معايير التخطيط والمحاسبة والشفافية: تنسيق إلزامي بين شركات المرافق والبلديات، وإعلان جداول زمنية واقعية، وتسريع الإنجاز على الطرق الحيوية، وتحسين التواصل المسبق مع السكان والتجار. وتعتبر (AUK) أن احترام وقت الناس وحركة المدن ليس رفاهية، بل معيارًا أساسيًّا لثقة المجتمع في مؤسسات الدولة وجودة الخدمات العامة.

المصدر: التايمز


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا