حكم قضائي “تاريخي” حول تعامل بريطانيا مع ضحايا عملياتها العسكرية في سوريا والعراق
في حكم قضائي وُصف بالمفصلي، حذّرت محكمة بريطانية من أن السرية التي تحيط بكيفية تعامل الحكومة مع ملف مقتل المدنيين خلال العمليات العسكرية الخارجية تُهدد بتقويض ثقة الرأي العام في نزاهة هذه الآليات، ولا سيما في ما يتعلق بالحملات الجوية التي نفذتها بريطانيا ضمن الحرب على تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.
وأشار الحكم إلى أن بريطانيا لا تعتمد حتى اليوم أي إرشادات منشورة توضّح آليات مراجعة وتقييم الادعاءات المتعلقة بوفاة أو إصابة مدنيين نتيجة الضربات العسكرية، بخلاف أقرب حلفائها، الولايات المتحدة، التي تعتمد إجراءات مكتوبة ومعلنة في هذا المجال.
دعوى «إيروارز» تسلّط الضوء على فجوات توثيق الضحايا المدنيين

وجاء هذا القرار استجابةً لدعوى قُدمت بموجب قانون حرية المعلومات من قبل منظمة «إيروارز» المتخصصة في مراقبة النزاعات، وذلك ضمن تحقيق أجرته المنظمة حول سجل بريطانيا في حملتها الجوية ضد التنظيم في سوريا والعراق.
وتقود الولايات المتحدة التحالف الدولي الذي قدّم الدعم الجوي في الحرب على التنظيم، وقد أقرت بأن ضرباتها الجوية أسفرت عن مقتل أكثر من 1,400 مدني خلال تلك العمليات.
وسعت «إيروارز» إلى الحصول على معلومات إضافية تتعلق بحالة الوفاة المدنية الوحيدة التي اعترفت بها بريطانيا رسميًا. وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في مايو/أيار 2018 أن مدنيًا واحدًا توفي جراء ضربة استهدفت ثلاثة مقاتلين في شرق سوريا في وقت سابق من العام نفسه. غير أن هذه الضربة لم تُسجّل ضمن قواعد بيانات الخسائر المدنية التي يحتفظ بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كما لم تظهر في السجلات البريطانية للهجمات التي أوقعت قتلى في صفوف المقاتلين. كذلك، لم توثق منظمات حقوقية سورية أي حالة وفاة مدنية في تلك المنطقة في اليوم ذاته.
تحذير قضائي من غياب الشفافية في تقييم أضرار المدنيين

ورفض القاضي طلب «إيروارز» بالكشف عن الوثائق المطلوبة، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي عُرضت خلال جلسات مغلقة، وبالتالي لم تُدرج ضمن حيثيات الحكم العلنية. إلا أنه شدّد في المقابل على أن للناخبين في بريطانيا مصلحة مشروعة في معرفة «طبيعة وشمولية ومتانة» الإجراءات المعتمدة لتقييم الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
وأوضح الحكم أن غياب أي إجراءات منشورة من الأساس «ينطوي على إمكانية تقويض ثقة الجمهور بنزاهة هذه العملية وشموليتها»، مشيرًا إلى أن الضمانات العامة، مهما كانت رفيعة المستوى، لا توفّر القدر نفسه من الثقة الذي يتيحه وجود إطار إجرائي واضح ومتاح للتدقيق والمساءلة.
وأضاف القاضي أن محدودية المعلومات المتاحة للجمهور حول هذه الآليات تزيد من أهمية المصلحة العامة في الكشف عن تفاصيل تتعلق بالضربة الجوية التي كانت «إيروارز» تحقق بشأنها.
وخلال جلسات المحكمة، أفاد مسؤول في وزارة الدفاع البريطانية بأن القرار النهائي في قبول أو رفض أي تقييم يشير إلى مقتل مدنيين نتيجة عمليات تنفذها القوات البريطانية يعود إلى الساسة. وفي المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على «خلية متخصصة لتقييم أضرار المدنيين» تتولى إصدار هذه الأحكام بصورة مستقلة.
الحكم يسلّط الضوء على فجوات الشفافية العسكرية

من جهتها، اعتبرت منظمة «إيروارز» أن الحكم يمثل اعترافًا قضائيًا واضحًا بالحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية في ما يتعلق بالأثر الإنساني للعمليات العسكرية البريطانية. وقالت مديرة المنظمة، إميلي تريب، إن القاضي أقرّ بحق الجمهور في بريطانيا في معرفة متى يُقتل مدنيون «باسمهم».
وأضافت أن الحكم، رغم عدم تمكين المنظمة من الحصول على الوثائق التي طالبت بها، يشكل اعترافًا رسميًا مهمًا بالأثر السلبي الذي يخلّفه غياب سياسات علنية واضحة بشأن أضرار المدنيين، سواء على ثقة الرأي العام، أو على المؤسسة العسكرية، أو على المدنيين المتضررين من هذه العمليات.
يبرز هذا الحكم فجوة قائمة في تعامل بريطانيا مع ملف مقتل المدنيين خلال عملياتها العسكرية الخارجية، ولا سيما في ما يتعلق بالشفافية وتوضيح آليات التقييم والمساءلة. إن غياب إجراءات معلنة ومفهومة للرأي العام يضعف الثقة بالمؤسسات، ويجعل من الصعب فهم كيفية اتخاذ القرارات في هذا الملف الحساس. ومع استمرار العمليات العسكرية خارج الحدود، تبقى الحاجة قائمة إلى مقاربات أكثر وضوحًا توازن بين مقتضيات الأمن وحق الجمهور في المعرفة.
المصدر : الجارديان
إقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇
