تطورات قضية “سفاحة الأطفال”.. القضاء البريطاني يفتح ملفات 5 ضحايا جدد
فتحت السلطات القضائية البريطانية، اليوم الثلاثاء الموافق الـ4 من فبراير/شباط، فصلًا جديدًا من فصول واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للصدمة والجدل في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، بعد انطلاق التحقيقات القضائية الرسمية في وفَيات خمسة أطفال رُضّع قُتلوا على يد الممرضة السابقة لوسي ليتبي، التي تقضي حاليًّا أحكامًا مشددة بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج.
وبحسَب ما جرى داخل محكمة الطب الشرعي في مقاطعة تشيشاير (Cheshire Coroners’ Court)، فإن الطبيب الشرعي شرع في فتح إجراءات التحقيق المتعلقة بضحايا ليتبي الذين أُدينت بقتلهم في مستشفى «كونتيس أوف تشستر» (Countess of Chester Hospital) خلال عامي 2015 و2016، في وقت تواصل فيه القضية إلقاء بظلال ثقيلة على قطاع الرعاية الصحية وعلى ثقة المجتمع بالمؤسسات الطبية البريطانية.
فتح التحقيقات رسميًّا في خمس قضايا وفاة
وأفادت التفاصيل بأن التحقيقات القضائية التي فُتِحت اليوم تخص خمسة أطفال رُضّع، جرى تعريفهم داخل المحكمة وفق رموز سرية حفاظًا على هُوياتهم، وهم: الطفل (C)، الطفل (E)، الطفل (I)، الطفل (O)، والطفل (P).
وجاء افتتاح هذه التحقيقات في جلسة رسمية بدأت عند الساعة 10:30 صباحًا، إذ أُعلِن أن الغرض من جلسة اليوم هو فتح ملفات القضايا بصفة رسمية؛ تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى تحقيق كامل وموسع في ظروف الوفاة، على أن تُعلَّق الإجراءات مؤقتًا إلى حين استكمال ترتيبات المراجعة القضائية اللازمة.
وتشير المعلومات إلى أن شهادات الوفاة الأصلية لهؤلاء الأطفال كانت قد سُجلت في البداية على أنها ناجمة عن أسباب طبيعية، قبل أن تتغير طبيعة القضية لاحقًا بعد التحقيقات الجنائية وإدانة لوسي ليتبي.
قيود صارمة على النشر وإخفاء الهُويات
وخلال الجلسة، نبهت كبيرة الأطباء الشرعيين في تشيشاير جاكلين ديفونش (Jacqueline Devonish) على أن أوامر قضائية تمنع نشر أو تداول أي معلومات قد تكشف هُويات الأطفال أو أولياء أمورهم أو الشهود المرتبطين بالقضية، مؤكدة أن تلك القيود مستمرة وفق أمر صادر عن قاضية المحكمة العليا السيدة ستين (Mrs Justice Steyn).
وأوضحت المحكمة أن أمر ستين لا يفرض من الناحية النظرية واجبًا بإخفاء أسماء المتوفين خلال التحقيقات القضائية، إلا أنه يظل نافذًا عالميًّا لمنع نشر أسماء الأطفال وذويهم؛ لأن نشرها قد يؤدي إلى تعريف الجمهور بهم باعتبارهم شهودًا في الإجراءات الجنائية المرتبطة بالقضية، وهو ما قد يُعد خرقًا للقانون وازدراءً للمحكمة.
كما جرى التنبيه إلى أن النائب العام البريطاني يتعامل مع أي انتهاك لتلك القيود بجدية، ما يجعل الصحافة والجمهور أمام التزام صارم بعدم نشر أي تفاصيل تعريفية تتعلق بالشهود أو أولياء الأمور أو الأطفال.
الممرضة القاتلة.. 15 حكمًا بالسجن مدى الحياة دون إفراج
وتعود القضية إلى الممرضة السابقة لوسي ليتبي، التي كانت تعمل في وحدة حديثي الولادة بمستشفى «كونتيس أوف تشستر»، قبل توقيفها والتحقيق معها ثم تقديمها للمحاكمة.
وتقضي ليتبي، التي يبلغ عمرها الآن 36 عامًا، 15 حكمًا بالسجن مدى الحياة دون إمكانية الإفراج، بعد إدانتها بقتل سبعة أطفال رُضّع ومحاولة قتل سبعة آخرين، وذلك عقب محاكمتين جنائيتين في محكمة مانشستر كراون (Manchester Crown Court).
وأوضحت الأدلة التي قُدمت خلال المحاكمات أن الأطفال تعرضوا للهجوم بوسائل متعددة أثناء وجود ليتبي في المستشفى، فيما أشار الادعاء إلى أن الضحايا كانوا من حديثي الولادة الضعفاء، وأن بعضهم تعرض لانهيارات صحية مفاجئة وغير مفسرة أثناء وقت عملها.
وخلال جلسة اليوم، استعرضت المحكمة ملخصًا أوليًّا لظروف وفاة الأطفال الخمسة الذين فتحت التحقيقات بشأنهم، تمهيدًا لمرحلة التحقيق الكامل.
الطفل E.. وفاة بعد تدهور سريع
وبحسَب ما ورد أمام المحكمة، فإن الطفل E، من غرب لانكشاير، وُلد في الـ29 من يوليو/تموز 2015 بعملية قيصرية في الأسبوع الـ29 من الحمل، قبل أن يتعرض في الـ3 من أغسطس/آب لتدهور مفاجئ إثر إصابته بالتهاب الأمعاء والقولون الناخر.
وتوفي الطفل في الـ4 من أغسطس/آب بعد تعرضه لتوقف في القلب والتنفس عند الساعة 12:37 صباحًا، ثم توقف آخر عند 1:23 صباحًا، قبل أن تتوقف محاولات الإنعاش بموافقة الأسرة.
وفُتِح تحقيق حينها، لكنه أُغلق لاحقًا باعتبار أن سبب الوفاة طبيعي وفق الطبيب المعالج، قبل أن تتغير الصورة بعد المحاكمة الجنائية وإدانة ليتبي بقتل الطفل.
وأكدت جاكلين ديفونش أن القضية ستخضع لتحقيق كامل، وتم فتح الملف رسميًا وتعليقه إلى حين مراجعة داخلية في الـ5 من مايو/أيار.
الطفل P.. انتفاخ في البطن وانهيار مفاجئ
أما الطفل P، وهو من شمال ويلز، فقد وُلد في الـ21 من يونيو/حزيران 2016 بحالة جيدة في الأسبوع الـ33 ويومين، قبل أن تتدهور حالته مساء الـ23 من يونيو/حزيران بعد انتفاخ في البطن وتراجع مستويات الأكسجين وانخفاض في معدل ضربات القلب.
وتشير تفاصيل المحكمة إلى أنه بدءًا من صباح الـ24 من يونيو/حزيران احتاج الطفل إلى العديد من محاولات الإنعاش والأدوية، إلا أنها لم تُفلح، وتوفي لاحقًا. وتم فتح تحقيق في الـ30 من يونيو/حزيران 2016.
وبعد إدانة ليتبي بقتل الطفل خلال المحاكمة الجنائية، طُلب فتح تحقيق قضائي جديد باعتبار أن الوفاة يُشتبه بأنها غير طبيعية، وهو ما أدى إلى فتح التحقيق اليوم وتعليقه رسميًّا.
الطفل C.. مولود خديج ووفاة بعد انهيار
وفيما يخص الطفل C، وهو من منطقة ويرال، فقد توفي بعمر أربعة أيام في الـ14 من يونيو/حزيران 2015 بعد ولادته في الأسبوع الـ30 من الحمل ومعاناته من متلازمة الضائقة التنفسية المرتبطة بالخدّج.
وأفادت المحكمة بأن تحقيقًا كان قد فُتح في الـ26 من نوفمبر/تشرين الثاني 2015، لكنه أُغلق لاحقًا بعد تشريح الجثة الذي خلص إلى سبب وفاة طبيعي، قبل أن تعود القضية للواجهة بعد إدانة ليتبي بقتل الطفل، ليتم فتح التحقيق رسميًا اليوم وتعليقه.
الطفل I.. مرض رئوي مزمن وتوقف قلبي تنفسي
الطفل (I)، من منطقة إلسمير بورت، توفي بتاريخ الـ23 من أكتوبر/تشرين الأول 2015 بعمر شهرين، بعد أن وُلد في الأسبوع الـ27 وكان يعاني من مرض رئوي مزمن مرتبط بالخداج، إضافة إلى انسداد متقطع في الأمعاء كان قيد التحقيق.
ووفق ما سمعته المحكمة، فإن الطفل (I) تعرض لتوقف قلبي تنفسي قبل أسبوع من الوفاة، لكنه أُنقذ ووُضع على جهاز التنفس، فيما بحث الأطباء عن عدوى دون العثور على أي دليل.
وأضافت المحكمة أن الطفلة كانت مستقرة وتتحسن قبل أن تتعرض لتوقف قلبي تنفسي آخر، حيث فشلت محاولات الإنعاش.
وكان التحقيق قد فُتح في الـ28 من أكتوبر/تشرين الأول 2015 ثم أُغلق بعد التشريح باعتبار الوفاة طبيعية، إلا أن إدانة ليتبي بقتل الطفل أعادت فتح الملف، لتقرر المحكمة اليوم فتح التحقيق رسميًا وتعليقه.
الطفل O.. تحسن ثم تدهور قاتل خلال ساعات
أما الطفل (O)، وهو صبي توفي بعمر يومين فقط، فقد وُلد بتاريخ الـ21 من يونيو/حزيران 2016 في الأسبوع الـ33 ويومين دون مضاعفات.
وتستمع المحكمة إلى أنه في الساعة 1:15 من يوم الـ23 من يونيو/حزيران أصبح الطفل في حالة صحية سيئة، حيث انتفخ بطنه وتقيأ، وتراجعت مستويات الأكسجين على نحو خطير وانخفض معدل ضربات القلب، ما استدعى إعطاءه أدوية ووضعه على جهاز التنفس.
وأشارت التفاصيل إلى أن الطفل تحسن في البداية، لكنه تدهور مجددًا قرابة الساعة 5:30 مساءً، وفشلت محاولات إنقاذه، قبل فتح تحقيق في الـ30 من يونيو/حزيران 2016.
وبعد إدانة ليتبي بقتل الطفل (O)، أكدت المحكمة وجود أسباب قوية للاشتباه في وفاة غير طبيعية، ما دفع إلى فتح تحقيق قضائي كامل بشأنه.
تعليق التحقيقات حتى مايو وتحديد موعد مبدئي في سبتمبر
وأعلنت كبيرة الأطباء الشرعيين أن جميع التحقيقات الخمسة التي فُتحت اليوم أُرجِئت وعُلِّقت رسميًا حتى الـ5 من مايو/أيار، وهو الموعد الذي ستعقد فيه المحكمة مراجعة داخلية للملفات، في إطار التحضير للتحقيق الكامل.
كما حُدِد موعد مبدئي لإجراء تحقيق كامل وشامل بشأن الأطفال الخمسة خلال الفترة من الـ14 إلى الـ25 من سبتمبر/أيلول، على أن يبقى هذا الموعد مرهونًا بما ستسفر عنه نتائج تقرير «تحقيق ثيرلوول» (Thirlwall Inquiry)، الذي يرتبط بالسياق العام للقضية وما قد يكشفه من تفاصيل مؤسسية تتعلق بالرقابة داخل المستشفى.
ملف طفل سادس.. تعليق ممتد لقضية الطفل D
وخلال الجلسة، استمعت المحكمة أيضًا إلى تحديث يتعلق بالطفل (D)، الذي لم يكن مدرجًا ضمن القضايا الخمس التي فُتحت اليوم.
وبحسَب إفادة موظف الطبيب الشرعي، فإن الطفل (D) توفي بتاريخ الـ22 من يونيو/حزيران 2015 في مستشفى «كونتيس أوف تشستر»، وأُحيلت القضية للطبيب الشرعي في اليوم التالي، قبل فتح تحقيق رسمي في يناير/كانون الثاني 2016.
لكن التحقيق عُلِّق في ذلك الوقت بانتظار توجيه تهم جنائية، وأكدت جاكلين ديفونش أنها مقتنعة بضرورة تمديد تعليق التحقيق ثلاثة أشهر إضافية.
تزامن التحقيقات مع قرار الادعاء بعدم توجيه اتهامات جديدة
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان سابق من دائرة الادعاء الملكية البريطانية (CPS) الشهر الماضي، أفادت فيه بأنها قررت عدم توجيه اتهامات جديدة ضد ليتبي، فيما يتعلق بمزاعم إضافية بشأن قتل أو محاولة قتل تسعة أطفال آخرين في مستشفى «كونتيس أوف تشستر» ومستشفى «ليفربول للنساء»، حيث عملت الممرضة خلال فترة تدريب.
ورغم أن بعض ممثلي ليتبي القانونيين أبدوا تساؤلات عن سبب فتح التحقيقات في هذا التوقيت، فإن مكتب الطبيب الشرعي أكد أن هذا التطور جاء “مصادفة تامة” ولا يرتبط بقرار دائرة الادعاء الملكية.
قضية مثيرة للجدل وحملة تشكك في الإدانة
ولا تزال قضية لوسي ليتبي من أكثر القضايا الجنائية المثيرة للانقسام داخل المجتمع البريطاني، حيث أشارت التقارير إلى وجود حملة نشطة تزعم أن الممرضة تعرضت لما وصفته بـ”خطأ قضائي”، معتبرة أن بعض الأطفال ربما توفوا أو تعرضوا لانهيارات صحية بسبب سوء الرعاية أو نقص الكوادر المؤهلة داخل المستشفى.
إلا أن محكمة الاستئناف البريطانية رفضت مرتين محاولات إلغاء إداناتها، ما أبقى الأحكام الصادرة بحقها سارية، ودفع إلى استمرار التعامل مع القضية باعتبارها واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها وحدات الرعاية الطبية في بريطانيا الحديثة.
نحو تحقيق كامل قد يكشف تفاصيل جديدة
ومع فتح التحقيقات القضائية رسميًا اليوم، تتجه الأنظار إلى ما ستكشفه جلسات التحقيق الكاملة المرتقبة في سبتمبر/أيلول المقبل، خصوصًا أن التحقيقات القضائية في بريطانيا تسلط الضوء في الغالب على ظروف الوفاة والتقصير المؤسسي المحتمل، لا على الفعل الجنائي فقط.
وبينما تبقى لوسي ليتبي خلف القضبان تقضي أحكامًا غير مسبوقة، يعيد فتح ملفات خمسة أطفال رُضّع اليوم القضية إلى واجهة الرأي العام، ويؤكد أن تداعيات “سفاحة الأطفال الرضع” لم تنته بعد، بل ربما تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية داخل النظام القضائي البريطاني.
المصدر: manchestereveningnews
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇

