تطبيق ويز تحت المجهر.. “ثغرة تصميمية” أم نافذة استخباراتية مفتوحة؟
لم يكن التحقيق الذي نشره المغرد الأسترالي الشاب “هاريسون” عبر حسابه على منصة (إكس) مجرد سلسلة تغريدات تقنية عابرة، بل كان بمثابة “صافرة إنذار” هزت أركان الثقة الرقمية. هاريسون، الذي فكك بنية تطبيق “ويز” (Waze) ببراعة الهاكر الأخلاقي، لم يكتشف ثغرة بالصدفة، بل كشف عن “فلسفة تصميم” تجعل من بيانات ملايين البشر كتاباً مفتوحاً لمن يريد القراءة، وتحديداً لمن يملك مفاتيح هذه البيانات في “تل أبيب”.
حكاية التطبيق: من “رعنانا” إلى “سليكون فالي”

للسياق أهمية قصوى هنا؛ فـ “ويز” ليس مجرد منتج لشركة “غوغل” التي استحوذت عليه في 2013 بمليار دولار، بل هو ثمرة بيئة تقنية استخباراتية نشأت في مدينة “رعنانا” الإسرائيلية عام 2008.
هذه الجذور ليست مجرد تفصيلة تاريخية، بل هي صلب المخاوف التي طرحها المغرد الأسترالي ورواد مواقع التواصل؛ فالتطبيق الذي وُلد في كنف كيان يعتبر التكنولوجيا والبيانات سلاحاً استراتيجياً، يثير تساؤلات مشروعة: هل انقطعت حبال الود حقاً بين التطبيق وجذوره الأمنية؟
“البلاغ” كجاسوس طوعي
الفكرة في “ويز” ممتعة وسلسة: أنت تبلغ عن حادث، والتطبيق يكافئك بطريق أسرع. لكن “هاريسون” كشف الجانب المظلم لهذا التبادل؛ فكل “نقرة” تقوم بها لإرسال بلاغ، ترسل معها حزمة بيانات تشمل إحداثياتك الجغرافية بدقة مرعبة، وتوقيتك الزمني بالملي ثانية، واسمك الرقمي.
هنا تبرز مخاوف رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ يرى منتقدو التطبيق أن هذه البيانات ليست “عامة” لخدمة السائقين فحسب، بل هي مادة خام مثالية لعمليات “الاستخبارات الجغرافية”.
فمن يضمن ألا تقع هذه الخريطة الحية لحركة البشر في يد أجهزة مخابرات الاحتلال، التي تملك باعاً طويلاً في تحويل “البيانات الضخمة” إلى أدوات للاغتيال أو الملاحقة أو التضييق الجغرافي؟
بين التصميم المقصود والرقابة الذكية

ما يثير الريبة في تحقيق “هاريسون” هو أن هذا الانكشاف ليس “خطأ تقنياً” سقطت فيه “غوغل”، بل هو خيار مقصود في التصميم يجعل البيانات متاحة للجميع. يقول المنتقدون إن هذا الانفتاح ليس “شفافية”، بل هو وسيلة لتسهيل جمع البيانات دون الحاجة لاختراقات معقدة.
فبإمكان أي جهة تملك قدرات برمجية متوسطة أن تبني “نظام رصد موازٍ” يتتبع حركة المدن العربية أو العالمية لحظة بلحظة، وهو ما وصفه مغردون بـ “التجسس المشرعن”.
لم يمر تحقيق هاريسون مرور الكرام على منصة (إكس)، حيث ضجت التغريدات بانتقادات حادة، تركزت معظمها على النقاط التالية:
• الهوية المفقودة: استخدام الناس لأسماء حقيقية تجعل ربط “البلاغ” بـ “الشخص” مسألة ثوانٍ.
• التوقيت واللوحات: ربط توقيت البلاغ بكاميرات الشوارع قد يكشف رقم لوحة السيارة وهويتها.
• الخطر الجيوسياسي: تساءل كثيرون: “لماذا نمنح تطبيقاً بجذور إسرائيلية تفاصيل تحركاتنا اليومية، بينما تُستخدم هذه البيانات كأدوات سيطرة في مناطق أخرى؟”.
حين يصبح الصمت “إحداثية”
إن الحقيقة التي يفرضها هذا الكشف التقني تتجاوز مجرد “مخاوف الخصوصية”؛ فنحن أمام منظومة رقمية تجعل من كل تحرك بشري “إشارة لاسلكية” تلتقطها خوارزميات نَمت في بيئة استخباراتية بامتياز.
لا يتوقف الخطر عند حد “من يعرف أين أنت؟”، بل في “من يستطيع الوصول إليك؟”. في عالم الصراعات الرقمية، لم يعد التطبيق مجرد مرشد للطرق، بل تحول إلى رادار رصد حي، يمنح حكومة الاحتلال وأجهزتها المعلوماتية القدرة على رؤية العالم من خلال “عيون مستخدميه”.
وبينما تتبع أنت المسار الأسرع على الشاشة، تذكر أن هناك من يتتبع “أثرك” في قاعدة البيانات، ففي هذا الفضاء الرقمي الملغوم، لا يوجد طريق مجاني.. وأنت دائماً الثمن.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
