التايمز: هل حان الوقت لكشف أسرار العائلة الملكية البريطانية؟
منذ زمن، تقوم صورة الملكية البريطانية على مزيج دقيق بين القرب المدروس من الناس والحفاظ على «الهالة» التي تمنحها مكانتها الاستثنائية. لكن هذا التوازن يعود اليوم إلى الواجهة بقوة، مع تجدد النقاش لمسألة حدود ما يجب كشفه من تفاصيل حياة العائلة المالكة، وما إذا كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار في القرن الحادي والعشرين دون مراجعة علاقتها بالمال والامتيازات والمساءلة.
وثائقي 1969: حين اقتربت الكاميرا أكثر مما ينبغي
في يونيو 1969، وقبل أسابيع من تنصيب تشارلز آنذاك أميرًا لويلز، عرضت (BBC) فيلمًا وثائقيًّا نادرًا بعنوان (Royal Family) قدّم للجمهور «سنة في حياة» أفراد الأسرة الأساسيين. ومن أكثر مشاهده حضورًا مشهد شواء قرب بحيرة في بالمورال، ظهر فيه تشارلز وهو يخلط تتبيلة السلطة بينما كان والده الأمير فيليب يشوي النقانق.
نجح الفيلم على نحو غير مسبوق، إذ تابعه أكثر من ثلثي السكان، إلا أن ردود الفعل داخل الأوساط الملكية كانت قلقة. ومع أن الأمير فيليب كان من أبرز الدافعين للمشروع، فقد أبدى ترددًا لاحقًا أثناء التصوير، وظهر انزعاجه في عبارة صريحة خلال مشهد الشواء موجّهة لفريق العمل.
في تلك المرحلة، كان ديفيد أتينبورو يشغل منصب مدير البرامج في (BBC)، وذهب إلى حد اتهام صانع الفيلم الراحل ريتشارد كاوستون بأنه «أضر بالملكية»، معتبرًا أن قوة المؤسسة تعتمد على الغموض، وأن كشف التفاصيل اليومية يضعف صورتها الرمزية وقدرتها على الاستمرار.
المؤسسة التي نجت من العواصف… حتى الآن
ورغم تلك المخاوف، استمرت الملكية البريطانية، وتجاوزت محطات اعتُبرت تهديدًا مباشرًا لسمعتها، من بينها ما عُرف بـ«العام الكارثي» للملكة إليزابيث الثانية عام 1992، حين احترقت أجزاء من قلعة وندسور وتعرضت زيجات ثلاثة من أبنائها لانهيارات كبيرة.
لاحقًا واجهت المؤسسة صدمات أخرى، من أبرزها مقابلة بانوراما مع الأميرة ديانا التي أجراها مارتن بشير عام 1995، ثم ما وُصف بسوء تعامل القصر مع المزاج العام بعد وفاة ديانا عام 1997. كما مرّت الملكية بأزمة انقسام حاد مع الأمير هاري وميغان، قبل أن يأتي التحول الأكبر مع اعتلاء تشارلز العرش.
وفي سياق انتقال السلطة، برزت مخاوف من أن تستغل كندا أو أستراليا أو أي من 14 دولة ضمن عوالم الكومنولث غير البريطانية الفرصة لقطع العلاقة مع التاج، إلا أن تلك المخاوف لم تتحقق.
أزمة الأمير أندرو: ضغط جديد يفتح ملف «المحاسبة»

أما اليوم فتتجدد الضغوط على الملكية؛ بسبب تداعيات القضية المرتبطة بالرجل الذي كان يُعرف سابقًا بالأمير أندرو. فالتسريبات والاتهامات المتعلقة بسلوكه، والتي ينفيها، زادت حدتها مع نشر مذكرات فيرجينيا جوفري بعد وفاتها، وما تضمنته من تفاصيل عن لقاء مزعوم بينهما.
وبحسَب النص، دفعت هذه التطورات الملك إلى اتخاذ خطوة متأخرة تجاه شقيقه، تمثلت في تجريده خلال الأسابيع الأخيرة من آخر ما تبقى له من ألقاب وأوسمة وامتيازات.
ثم انفجر جدل آخر بشأن الإيجار الرمزي (peppercorn rent) الذي يدفعه أندرو للإقامة في رويال لودج داخل متنزّه وندسور الكبير، ما قاد إلى إعلان لجنة الحسابات العامة في البرلمان أنها ستراجع الترتيبات المالية التي يستفيد منها أفراد آخرون من العائلة. ويُتوقع أن يوسّع ذلك النقاش ليشمل المؤسسة بأسرها، ويشمل ذلك المال والامتيازات والسؤال الأبرز: من يحاسب العائلة المالكة؟
تراجع التأييد الشعبي: الأرقام تتحدث
تأتي الأزمة الحالية في وقت يشهد فيه تأييد الملكية تراجعًا مزمنًا. فمنذ أول استطلاع سنوي أجراه المركز الوطني للبحث الاجتماعي عام 1983، كانت نسبة من يرون استمرار الملكية «مهمًّا» عند 86 في المئة. لكن بحلول سبتمبر من هذا العام هبطت النسبة إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 51 في المئة، دون أن يحظى ذلك بتغطية واسعة.
ومع أن 38 في المئة من السكان عمومًا يؤيدون استبدال الملك برئيس دولة منتخب، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 59 في المئة بين الفئة العمرية 16 إلى 34 عامًا.
ويرى الأكاديمي كريغ بريسكوت، مؤلف كتاب (Modern Monarchy)، أن هذا التحول مفهوم، ويشير إلى تجربته مع طلابه في رويال هولواي – جامعة لندن، حيث بات من الصعب على كثيرين ربط الملكية بحياتهم اليومية. كما يربط بريسكوت هذا التراجع بانخفاض الثقة بمؤسسات أخرى مثل الكنيسة الرسمية والأحزاب السياسية.
ويضيف أن أحد أسباب الفجوة الجيلية هو تغير مصادر الأخبار، إذ يعتمد الشباب أكثر على منصات دولية مثل يوتيوب وتيك توك بدلًا من (BBC) والصحف البريطانية التي كانت تقليديًّا تمنح العائلة المالكة تغطية بارزة وإيجابية في الغالب.
النموذج الأوروبي: ملكيات أقل كلفة وأكثر شفافية… لكنها ليست بلا فضائح

يطرح النص مقارنة مع ست دول أوروبية أخرى ما تزال ملكيات دستورية، حيث تؤدي العائلات المالكة أدوارًا احتفالية ودستورية، وتملك قصورًا ومقار رسمية، ولكنها في الغالب أقل عددًا وأصغر حجمًا، باستثناء القصر الملكي في مدريد الذي يفوق قصر باكنغهام مساحةً.
ويُشار إلى أن تمويل هذه الملكيات أكثر وضوحًا، وفي الغالب يقتصر على الأسرة الأساسية، ما يجعلها أقل تكلفة وأكثر خضوعًا للشفافية. إلا أن فضائحها لم تغب:
- إسبانيا: اضطر الملك السابق خوان كارلوس إلى التنازل عام 2014 وسط مزاعم تلقي تبرعات سرية كبيرة، بينها «هدية» بقيمة 100 مليون دولار من العائلة المالكة السعودية. ومن منفاه في أبو ظبي يواصل إحراج خلفه فيليبي السادس، مؤخرًا عبر سيرة ذاتية أبدى فيها احترامًا كبيرًا للديكتاتور الراحل فرانسيسكو فرانكو.
- بلجيكا: قاوم الملك السابق ألبرت الثاني طويلًا الاعتراف بابنته دلفين.
- هولندا: تراجعت شعبية الملك فيلم-ألكسندر والملكة ماكسيما؛ بسبب اتهامات بخرق قواعد كوفيد.
- النرويج: تصاعدت الانتقادات؛ بسبب قضايا مرتبطة بالأميرة مارثا لويز وزواجها في أغسطس 2024 من دوريك فيريت الذي يصف نفسه بأنه «شامان»، إضافة إلى الجدل بشأن تغطيات إعلامية مدفوعة ووثائقي نتفلكس عن الزوجين. وفي سياق آخر أشد خطورة، ينتظر الرأي العام في فبراير محاكمة ماريوس بورغ هويبي -نجل ميته ماريت زوجة ولي العهد هاكون- بتهم تصل إلى 32 تهمة بينها أربع تهم اغتصاب، وهو ما ينفيه وفق ما ورد، مع احتمال إقراره بذنوب أقل خطورة.
الفاتورة: مقارنة الأرقام بين بريطانيا والدنمارك
بحسَب الحسابات الملكية الدنماركية، بلغت الميزانية السنوية في العام الماضي 125 مليون كرونة دنماركية (ما يعادل 14.6 مليون باوند). ويقارن النص ذلك ببريطانيا، حيث بلغت «المنحة السيادية» ما يقارب ستة أضعاف، عند 86.3 مليون باوند.
ويؤكد النص أن الرقم البريطاني يشمل الإنفاق الأساسي فقط، مثل تكاليف الموظفين والمهمات الرسمية وصيانة الممتلكات، ولا يتضمن الأمن. وتقدّر جماعة (Republic) أن تكلفة الأمن وحدها تصل إلى 150 مليون باوند، وترى أن التكلفة الإجمالية الحقيقية قد تبلغ 510 ملايين باوند عند احتساب عناصر أخرى مثل الدخل المفقود من دوقيتي لانكستر وكورنوال.
من يقرر الإصلاح: الحكومة أم القصر؟

يرى بريسكوت أن الحكومة هي من يحدد في النهاية كيفية عمل المؤسسة الملكية وحجم تمويلها، مهما بلغ النفوذ الرمزي للعائلة. ويستحضر النص ملاحظة والتر باجهوت الذي أشار إلى أن الملكة «قد تضطر للتوقيع على مذكرة وفاتها» إذا اتفق مجلسا البرلمان على ذلك.
لكن أي تغيير، بحسَب الرؤية المطروحة، يجب أن يراعي عدم تقويض «المشهد الاحتفالي» الذي يمثل أحد مصادر قوة الملكية، وهو ما سماه باجهوت «الأجزاء المهيبة» التي تحفظ توقير الجمهور.
ويُستشهد في النص بمثالين على «القوة الناعمة» للملكية: خلال زيارة السير كير ستارمر الأولى إلى البيت الأبيض في فبراير، استخدم دعوة موقعة من الملك لاستمالة الرئيس ترامب لزيارة دولة. كما ظهرت الرمزية الدبلوماسية مجددًا في مأدبة رسمية أقامها الملك تشارلز في قلعة وندسور للرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير.
كما يدافع الكاتب روبرت هاردمان، مؤلف كتاب (Charles III)، عن القيمة الدبلوماسية للعائلة المالكة، معتبرًا أن العالم يفضل لقاء أفرادها على أي بديل بروتوكولي آخر قد يُعرض على السجاد الأحمر.
الخلاصة: كشف الأسرار… وإشكالية إعادة الغطاء
بين دعوات رفع سقف الشفافية والبحث عن مساءلة مالية وأخلاقية، وبين الحاجة للحفاظ على ما يمنح الملكية حضورها الرمزي، يبدو أن بريطانيا تقف أمام معادلة صعبة: كيف يمكن فتح الملفات دون تفكيك «الهالة» التي بُنيت عليها المؤسسة؟ ويختم النص بإشارة ذات دلالة: إذا كان لا بد من إقامة حفل شواء جديد قرب بحيرة، فقد يكون من الأفضل هذه المرة عدم دعوة كاميرات التلفزيون.
وترى منصة العرب في بريطانيا (AUK) أن النقاش بشأن مستقبل الملكية البريطانية لم يعد ترفًا سياسيًّا أو جدلًا موسميًّا مرتبطًا بفضيحة عابرة، بل أصبح مرتبطًا بجوهر العقد الاجتماعي الحديث: الشفافية، وتكافؤ المعايير، والمحاسبة. وفي الوقت الذي تقر فيه المنصة بأهمية الدور الرمزي والدبلوماسي للملكية وما تمثله من «قوة ناعمة» في علاقات بريطانيا الدولية، فإنها ترى أن استمرار أي مؤسسة عامة، ولا سيما إذا كانت ممولة من المال العام وتتمتع بامتيازات استثنائية، يتطلب وضوحًا أكبر بشأن الموارد والتكاليف والالتزامات، ومعايير أشد صرامة في التعامل مع أي تجاوزات داخلها.
المصدر: التايمز
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
