العرب في بريطانيا | الوجوه “الملوّنة” لا تستطيع إخفاء قسوة سياسات ا...

1447 جمادى الثانية 22 | 13 ديسمبر 2025

الوجوه “الملوّنة” لا تستطيع إخفاء قسوة سياسات اللجوء البريطانية

IMG-20251130-WA0014
سمية الغنوشي November 30, 2025

اكتشفت حكومات أوروبا، في السنوات الأخيرة، حيلة سياسية فعّالة تُتيح لها تمرير أكثر السياسات عداءً للمهاجرين وقسوةً وتجريدًا للإنسان من إنسانيته، دون أن تُتهم بالعنصرية.

والسر بسيط حدّ السذاجة:
ضع وجهًا غير أبيض على المظالم.

عيّن وزيرًا ذا بشرة سمراء أو سوداء، ويفضَّل أن تحمل عائلته في سجلّها قصة لجوء أو نزوح، واترك له مهمة الإعلان عن السياسات التي يخشى السياسي الأبيض المجاهرة بها.

فالدولة الحديثة لم تفعل إلا أن تُحكم إتقان ما برعت فيه الإدارات الاستعمارية ذات يوم: الحكم عبر الوكلاء. غير أن المسرح اليوم داخلي لا إمبراطوري، والوسطاء يُستجلبون من الأقليات نفسها؛ أبناءُ مهاجرين يُستدعون لضبط الحدود التي عبرها آباؤهم ذات يوم.

ولم تلجأ دولة إلى هذا التكتيك المخادع بقدر ما فعلت بريطانيا. والقائمة طويلة ومؤلمة.

البدايات: من باتيل إلى برافرمان

البداية كانت مع بريتي باتيل، ابنة لاجئين من أصول هندية-أوغندية. قضت سنواتها في وزارة الداخلية وهي تُجرّم المسارات نفسها التي اعتمدتها عائلتها للوصول إلى بريطانيا، بينما كانت تزاول في الخفاء سياسة خارجية خاصة مع إسرائيل دون علم رئيس الوزراء.

ثم جاءت سويلا برافرمان، المولودة لأبوين من كينيا وموريشيوس، التي تحدثت عن طالبي اللجوء وكأنهم وباء زاحف، وأبدت حماسة مسرحية لرحلات الترحيل إلى رواندا. كانت ولايتها حملة متواصلة على الاحتجاج والحريات المدنية والتعددية الثقافية، واستهدافًا خاصًا للمسلمين، ملثمًا بخطاب “الأمن” و”مكافحة معاداة السامية”.

وفي عهد ريشي سوناك، ابن المهاجرين هو الآخر، تحوّلت برافرمان إلى الأداة السياسية المثلى: سمراء بما يكفي لصدّ تهمة العنصرية، يمينية بما يكفي لإرضاء القاعدة المحافظة، وطموحة بما يكفي لتقول جهارًا ما يتهامس به المحافظون البيض سرًا.

شرعنة القسوة عبر الواجهة

واليوم، مع حكومة حزب العمال، يُعاد المشهد نفسه بملامح أكثر هدوءًا، لكن بقالب لا يقل صلابة. فشابانا محمود، أول وزيرة داخلية مسلمة في تاريخ بريطانيا، تقود حزمةً من الإصلاحات التي أثارت استياء حتى بعض كبار القانونيين المحافظين لما تنطوي عليه من قسوة وتجريد للمهاجر من أبسط حقوقه.

فهي تقترح إسقاط الواجب القانوني للدولة في توفير السكن والدعم الأساسي لطالبي اللجوء، تاركة آلافًا منهم، وبينهم أطفال وعائلات، تحت رحمة نظام مزاجي لا يضمن لهم مأوى ولا بقاء.

تخيّل أن تخاطر بحياتك لعبور القنال، ثم تُصادر ساعتك وخاتم زواجك وتُنزع ملابسك لأنها “باهظة الثمن”، ويُمنع أطفالك من الدراسة، ويُسحب منك الملجأ.

تجاهل الوجوه والأسماء، سواء مايكل أم محمد، شيرلي أم شابانا، فالعبرة ليست في المظهر بل في جوهر السياسة نفسها.

هذه الإجراءات لا تنتهك الاتفاقيات الدولية فحسب، بل تخاصم أبسط مقاييس الإنسانية. ومع ذلك، تُقدّم بواجهةٍ “مُطمئنة”: امرأة مسلمة ذات جذور مهاجرة، تمنح الحكومة حصانة من تهمة الإسلاموفوبيا، بينما تطبّق سياسات تمسّ المسلمين واللاجئين على نحو غير متناسب.

تنميق اليمين المتطرف

ولم يعد هذا النهج حكرًا على الأحزاب التقليدية. فاليمين المتطرف نفسه بات يوظف وجوهًا من الأقليات لتلميع صورته المشوهة.

حزب “ريفورم UK”، مأوى الهستيريا المعادية للمهاجرين والصفارات العنصرية ضد المسلمين، بنى إحدى أبرز واجهاته الإعلامية -بعد نايجل فاراج- على شخصية مسلمة: ضياء يوسف، الذي يجاهر بعدائه للمهاجرين ويدافع بكل حماس عن إسرائيل.

ظهوره المتكرر، حتى على منصات مثل (BBC Question Time)، يكشف تمامًا لماذا يصرّ الحزب عليه: وجه مسلم يردد الحجج ذاتها التي يرفعها القوميون البيض؛ درعٌ بنيّ اللون لحركة جذورها مناوئة للمهاجرين.

يدرك فاراج ونائبه ريتشارد تايس تمام الإدراك قيمة أن يكون من يندد بـ”الهجرة غير الشرعية” أو يحذر من “الإسلاموية” صاحب اسم مسلم. فهو يُلطّف خطاب اليمين المتطرف ويوفّر له بوابة إلى جمهور كان سيرفضه لولا ذلك.

دروع بشرية للسياسات القمعية

ومع صعود اليمين المتطرف في أوروبا وهيمنة ملف الهجرة على النقاش العام، باتت أحزاب الوسط واليسار تنافس على النغمة نفسها. لم تعد تحاول مجابهة اليمين، بل اللحاق به في سباق نحو أقصى اليمين.

وفي هذا السياق، لم يعد استقطاب الأقليات دليلاً على تمثيل أو إدماج، بل أداة تبرئة؛ دروعًا بشرية تمرّ عبرها السياسات العنصرية بلا مساءلة.

شخصيات مثل كيمي بادينوخ بنت حضورها العام على الترويج لسياسات هجرة متشددة، والدعوة للاندماج القسري، وشيطنة التعددية الثقافية. فيما كرّر آخرون مثل جيمس كلفرلي سرديات “أمننة الهجرة”، كأن الهجرة بدأت بآباء الآخرين لا آبائهم هم.

وجود هؤلاء يجعل فضح العنصرية المضمرة في السياسات أكثر صعوبة، إذ يكفي رد واحد: كيف تكون السياسة عنصرية ومَن يروّج لها غير أبيض؟

إنه المنطق نفسه الذي اعتمدته الأنظمة الاستعمارية حين عهدت إلى الزعماء المحليين بمهمة تنفيذ إرادة الإمبراطورية.

تنوعٌ بلا عدالة، وزخرفة بلا مضمون

كان الضابط الأوروبي يقف بعيدًا، أنيقًا ومحصنًا، بينما ينفّذ الوكلاء المحليون العنف نيابة عنه. وفي الهند ونيجيريا وكينيا وغيرها، حكمت الإمبراطورية عبر زعماء محليين يجمعون الضرائب، ويفرضون العمل، ويوقعون العقاب، فيما يبقى المسؤول البريطاني بمنأى عن الأثر الأخلاقي.

وكثيرًا ما كان هؤلاء أكثر شراسة من مستعمريهم، مدفوعين بهاجس إثبات الولاء. لكن حضورهم لم يخفِ يومًا بنية القوة التي تشغلهم: الدولة التي تملك السلطة والسلاح والقرار.

ولا ينبغي أن يخدعنا المشهد اليوم. فكما كان بالأمس، فإن الوجوه التي تُدفع إلى الواجهة لا تغيّر جوهر المنظومة الحاكمة.

فبدل شعوب مستعمَرة في الخارج، تستعين الحكومات الغربية اليوم بأقليات داخلية كدرع سياسي يمتصّ الغضب ويوفّر غطاءً لسياسات الإقصاء والقسوة.

لقد أُفرغ مفهوم التمثيل من جوهره، وتحول إلى زينةٍ متعددة الثقافات.
التنوع بلا عدالة… مجرد ديكور.
والوجه البني لا يُطهّر سياسة جائرة.
ووزيرة داخلية مسلمة قد تشرعن سياسات معادية للمسلمين.
وابن مهاجرين يستطيع إغلاق الباب في وجه أسرة تهرب نجاةً بحياتها.

لقد حلّ خطاب “انظروا إلى من عيّنا” محلّ منطق “انظروا إلى ما نفعل”.

انزعوا الأضواء والوجوه والأسماء. تجاهلوا مَن يقف على المنصة، مايكل أم محمد، شيرلي أم شهبانة.
السؤال الجوهري واحد:
هل السياسة عادلة، إنسانية، قانونية، وتحمي الضعفاء؟

إن لم تكن كذلك، فلون البشرة ووقع الأسماء لا يغيّر الحقيقة:
صاحب القرار، أيًا كان، مجرد ترس آخر في آلة الإقصاء.

والقسوة لا تصبح أخلاقية لمجرد أنها تُنفّذ بيدٍ سمراء أو سوداء.

 

المصدر: ميدل إيست آي 

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة