العرب في بريطانيا | استكشاف المهجّر والعمل على الاستفادة من فترة ال...

1447 رمضان 1 | 18 فبراير 2026

استكشاف المهجّر والعمل على الاستفادة من فترة الوجود فيه

مقالArtboard-2-copy-4_2 (10)

الهجرة انتقالٌ وجوديٌّ من مرحلةٍ إلى أخرى، ومن شعورٍ بالانتماء المألوف إلى تجربةٍ تتحدّى فينا الثّبات وتوقظ وعينا بما لم نكن نراه. إذ إنّ المهجَر هو المكان الذي يرى فيه الإنسان نفسه بلا أقنعة، فيتأمّل معنى الوطن، ومعنى الذات، ومعنى الاغتراب ذاته.

حين يغادر الإنسان أرضه، يظنّ في البداية أنّه يرحل عنها، لكنّه في العمق يحملها معه. يكتشف أنّ الوطن طريقة تفكيرٍ ولهجةُ قلبٍ ودفءُ ذاكرةٍ لا تذبل.

ومع ذلك، يمنحه المهجَر فرصةً لإعادة تشكيل ذاته، لأنّ الغربة تُسقط ما هو زائف وتُبقي ما هو أصيل. هناك، في البُعد، يتعلّم الإنسان أن يُصغي إلى صمته، وأن يُعيد بناء توازنه من جديد.

الاستفادة من فترة الوجود في المهجَر لا تكون بالحنين وحده، ولا بالاكتفاء بالنّجاة من الألم، بل بتحويل الغربة إلى مساحةٍ للنموّ والتطوّر وتجديد الذات.

على المهاجر أن ينظر إلى تلك التّجربة بوصفها منحةً إلهيّةً للتأمل والمراجعة، لا محنةً فحسب. فالبلاد الجديدة تفتح أمامه آفاقًا ثقافيّةً وفكريّةً ومهنيّةً لم يكن ليبلغها في بيئته الأولى، وتدعوه لأن يكون جزءًا من العالم لا أسير حدوده القديمة.

أولى خطوات الاستفادة من المهجَر هي استكشاف الذات؛ فالاغتراب يُعرّي الإنسان من المألوف، فيجعله يرى نقاط ضعفه وقوّته بوضوح.

من يعيش في المهجَر عليه أن يسأل نفسه: ماذا أريد أن أكون؟ ماذا يمكن أن أقدّم؟ وما الذي يجب أن أتعلّمه لأكون أكثر نضجًا وإنسانيّة؟
فالغربة مدرسة، ومن يتعامل معها بعين الحكمة يخرج منها أقوى وأعمق وأكثر إيمانًا بمعنى الوجود.

الخطوة الثانية هي التعلّم والانفتاح على ثقافة البلد الجديد؛ ومن الحكمة أن يتقن الإنسان لغة المكان الذي يعيش فيه ويفهم عاداته وتقاليده ليحاوره.

فالمعرفة تُسقط الحواجز وتمنح المهاجر احترامًا ومكانة، والتفاعل الإيجابي مع المجتمع الجديد يخلق توازنًا بين الهويّة الأصليّة والانتماء الجديد، فلا يكون المهاجر غريبًا ولا تابعًا، بل صاحب بصمةٍ تجمع بين الأصالة والحداثة.

أما العمل والإبداع في المهجَر فهما وسيلةٌ لتثبيت الذات وتأكيد قيمتها.
كثيرون وجدوا في غربتهم فرصةً لتحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه في أوطانهم، لأنّ البيئة الجديدة تمنح مساحةً أكبر للحريّة الفرديّة والإبداع والاعتماد على الذات.
وفي هذا الإطار، يتحوّل العمل إلى رسالةٍ لا مجرّد وسيلةٍ للعيش، إذ يصبح المهاجر سفيرًا غير معلن لوطنه، يحمل صورته الجميلة في أخلاقه واجتهاده وإتقانه.

ولا يمكن تجاهل البُعد الروحي في تجربة المهجَر؛ فالغربة تُعلّم الإنسان الصبر والاعتماد على الله، وتمنحه القدرة على رؤية النّعم الخفيّة في ما ظنّه فقدانًا.

في المهجَر، يُعيد الإنسان اكتشاف معنى الدّعاء، ومعنى الصّبر الجميل، ومعنى الأمل الّذي يولد من لا شيء.
تلك اللّحظات التي يشعر فيها بالغربة والوحدة ليست ضعفًا، بل نداءً من الله ليقترب أكثر من ذاته العليا.

ومع كلّ هذا، تبقى صلة الإنسان بجذوره ضرورةً روحيّة.
فالاستفادة من المهجَر لا تعني نسيان الوطن، بل العودة إليه بطريقةٍ أعمق عبر المعرفة والخبرة والنّضج.
إنّ المهاجر الحقيقي هو من يجعل من اغترابه وسيلةَ وصلٍ بين عالمين، لا قطيعةً بين ماضيه ومستقبله.

إنّ استكشاف المهجَر هو في جوهره استكشافٌ للإنسان نفسه: كيف يتأقلم؟ كيف ينهض؟ وكيف يُعيد صياغة حياته في بيئةٍ جديدة؟

ومن يفعل ذلك يدرك أنّ الهجرة قد تكون بابًا للحريّة الداخليّة قبل أن تكون انتقالًا مكانيًّا، فالاغتراب لا يكسِرُ من كان راسخًا بالإيمان، بل يُنضجه.

في النهاية، كلُّ مهاجرٍ يعيش حكايةً فريدة، لكن ما يجمعهم هو تلك الشّرارة التي تُبقيهم واقفين رغم البعد.
إنّها إرادة الحياة التي تتجدّد كلّ صباح، حين ينهضون من سرير الغربة ليواصلوا الكفاح بابتسامةٍ تقول: ما زلتُ هنا، وما زال فيَّ أمل.

فليكن المهجَر إذًا مرحلةَ بناءٍ لا انكسار، وتجربة وعيٍ لا نفيًا للذات؛ لأنّ الاغتراب الحقيقي ليس في البعد عن الوطن، بل في البعد عن المعنى.

ومن وجد المعنى في غربته، فقد وجد وطنه الجديد في قلبه.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

آخر فيديوهات القناة

This error message is only visible to WordPress admins

Error 403: The request cannot be completed because you have exceeded your quota..

Domain code: youtube.quota
Reason code: quotaExceeded

Error: No videos found.

Make sure this is a valid channel ID and that the channel has videos available on youtube.com.