استطلاع ITV: نصف مسلمي بريطانيا لا يشعرون باحتضانها لهم
الاندماج أن يشعر الإنسان أنّ المكان يفتح له ذراعيه دون تردّد. فغياب الاحتضان لا يظهر دائمًا في القوانين، ولكن يتسلّل في التّفاصيل الصّغيرة: نظرة ريبة، صمت بارد، أو شعور خفيّ بأنك حاضر جسدًا، غائب معنى. وبين الاحتضان كدفء إنساني، والاندماج كحالة وجودية أعمق، تتشكل علاقة الفرد بالوطن؛ فإن غاب الأول، تعثّر الثاني، وتحوّل الانتماء من يقين إلى سؤال مفتوح.
في هذا السياق، كشف بحث جديد أجرته هيئة تعداد المسلمين في بريطانيا عن تصدّع مقلق في شعور الانتماء، إذ أظهرت النتائج أن نحو نصف المسلمين فقط يشعرون بأن المملكة المتحدة وطن يحتضنهم، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تنامي الإسلاموفوبيا وجرائم الكراهية الدينية.
الدراسة، المعنونة بـ”أزمة الانتماء”، تُعد من أوسع الدراسات الاجتماعية والاقتصادية التي تناولت أوضاع المسلمين البريطانيين في السنوات الأخيرة. وبيّنت أن 51.9% فقط من المشاركين قالوا إنهم يشعرون بالانتماء إلى المملكة المتحدة، مقابل 25.6% اتخذوا موقفًا محايدًا، فيما صرّح 17.6% بعدم شعورهم بالانتماء، من بينهم 2.8% قالوا إنهم لا يشعرون بأي انتماء على الإطلاق.
تشاؤم الشباب… حين يفشل الاندماج في طمأنة المستقبل

لم تقف المؤشرات عند حدود الإحساس بالانتماء، بل امتدت إلى النظرة للمستقبل. فأقل من 10% فقط (8.2%) أعربوا عن تفاؤلهم بما هو آتٍ، بينما أبدى ستة من كل عشرة تشاؤمًا واضحًا. وتزداد قتامة الصورة بين الشباب المسلمين (18–24 عامًا)، حيث يقترب التشاؤم من ثلثي هذه الفئة، في دلالة على فجوة متسعة بين الأجيال الصاعدة وفكرة الوطن كمساحة أمان.
ويربط معدّو التقرير هذه الأرقام بإحساس متنامٍ بـ”عداء متصاعد” تجاه المسلمين، حيث تكررت في الإجابات مفردات الخوف، والإقصاء، وانعدام الأمان؛ وهي مفردات لا تنتمي إلى لغة الاندماج، تنتمي إلى قاموس العزلة.
تراجع حاد مقارنة بعام 2016

اللافت أن هذه النتائج تمثل تراجعًا حادًا مقارنة باستطلاع أجرته مؤسسة (إيبسوس موري) عام 2016، حين قال 93% من المسلمين إنهم يشعرون بالانتماء إلى المملكة المتحدة. خلال أقل من عقد، انتقل الإحساس الجمعي من شبه إجماع إلى انقسام، ومن يقين إلى ارتياب.
وقد أتاح قسم مفتوح في الدراسة للمشاركين سرد تجاربهم بشكل مجهول، فبرز الخوف من تصاعد الإسلاموفوبيا كقاسم مشترك. قال بعضهم إنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان عند تعريف أنفسهم كمسلمين في الأماكن العامة، بينما تحدّث آخرون عن إساءات واعتداءات لفظية وجسدية.
أحد المشاركين عبّر بمرارة: “وُلدت هنا، لكنني لم أعد أشعر بالأمان كمسلم، وأفكر في الهجرة إن استطعت”.
فيما وصف آخر، يعيش في البلاد منذ 25 عامًا، المرحلة الحالية بأنها “الأكثر عدائية” التي شهدها، متحدثًا عن شتائم عنصرية ونظرات شك، بل واعتداء في وسائل النقل العام.
جرائم الكراهية عند مستويات قياسية

تأتي هذه الشهادات في ظل سياق أوسع، إذ أعلنت وزارة الداخلية مؤخرًا تسجيل أعلى حصيلة سنوية لجرائم الكراهية الدينية. كما أشارت دراسة صادرة عام 2025 عن مؤسسة تيل ماما إلى وصول جرائم الكراهية ضد المسلمين إلى مستويات قياسية، محذّرة من أثر الصور النمطية الضارة وتطبيع بعض أشكال الخطاب التحريضي.
ويرى عدد من المشاركين أن الخطاب السياسي والإعلامي يكرّس شعورًا بأنهم “غير مرغوب فيهم” أو “أقل شأنًا”، ما دفع بعضهم إلى تعريف أنفسهم بانتماءات محلية – كالمدينة أو الحي – بدلًا من الهوية الوطنية الأوسع، وكأن الوطن ضاق عن احتضانهم، فلجؤوا إلى هوامشه.
إعادة بناء الاحتضان قبل الاندماج

من جهته، قال الدكتور سهيل حنيف، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الزكاة الوطنية، إن نتائج التقرير تعكس “شعورًا مشتركًا بعدم اليقين وتراجع الثقة بين المجتمعات”، مؤكدًا أن إعادة بناء الثقة ليست مهمة سريعة، لكنها ضرورة لضمان تماسك المجتمع واستقراره.
وترى منصة العرب في بريطانيا أن هذا الاستطلاع هو جرس إنذار أخلاقي وسياسي. فالاندماج الحقيقي لا يولد في فراغ، وإنّما يحتاج إلى احتضان صادق، وسياسات عادلة، وخطاب مسؤول، ومواجهة حازمة لجرائم الكراهية والتمييز.
وتؤكد المنصة أن المسلمين جزء أصيل من النسيج البريطاني، وأن مساهماتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست استثناءً، هي قاعدة. فالمواطنة المتكافئة حق، وبغيرها يبقى الانتماء معلقًا، والاندماج ناقصًا، والوطن فكرة لم تكتمل بعد.
المصدر: ITV
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
