العرب في بريطانيا | نحن أبناء اختياراتنا لا ضحايا أقدارنا

1447 رمضان 24 | 13 مارس 2026

نحن أبناء اختياراتنا لا ضحايا أقدارنا

نحن أبناء اختياراتنا لا ضحايا أقدارنا
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

في كلِّ لحظةٍ من حياتنا نقف على مفترقٍ خفيٍّ لا تشير إليه لافتات الطّرق، ولا تعلنه الأصوات، لكنه قائمٌ في داخلنا؛ حيث تتقاطع الإرادة مع الإمكان، ويهمس العقل للقلب: اختر. هناك، في تلك المساحة الصامتة بين الفعل والتردّد، تتشكّل حياتنا الحقيقية. لسنا عابري طريقٍ رسمته المصادفات فحسب، ولا أوراقاً تتقاذفها رياح الأقدار كيفما شاءت؛ نحن، في داخلنا العميق، أبناء اختياراتنا. نصوغ ذواتنا قراراً بعد قرار، وننحت مصائرنا موقفاً بعد موقف، حتى تتكوّن من هذه القرارات المتعاقبة سيرة حياتنا بأكملها.

القدر يمنحنا الإطار، لكن الاختيار يلوّن اللوحة. يولد الإنسان في ظروفٍ لم يخترها: عائلة، ومكان، وزمان، وملامح، ولغة، وواقعٌ اجتماعيّ قد يكون رحباً أو ضيقاً. هذه المعطيات أشبه بالأرض التي نُزرَع فيها؛ قد تكون خصبةً فتسهل فيها الحياة، وقد تكون قاحلةً فتجعل الطريق شاقّاً. غير أنّ البذرة تظلّ محتفظة بسرّها الداخلي: قدرتها الدائمة على التوجّه نحو الضوء. وهنا يتجلّى الفرق بين من يستسلم لثقل التربة، ومن يمدّ جذوره عميقاً ثم يشقّ طريقه نحو السماء. لسنا مسؤولين عمّا فُرض علينا، لكننا مسؤولون عمّا نصنعه بما فُرض.

الاختيار ليس دائماً فعلاً صاخباً أو بطولةً كما تصوّرها الحكايات؛ فكثيراً ما يكون هادئاً، بسيطاً، يكاد لا يُرى. أن تختار الصبر بدل الغضب، وأن تؤثر الصدق على المجاملة الزائفة، وأن تمنح فرصةً أخرى بدل إغلاق الأبواب، وأن تنهض بعد التعثّر بدل الارتماء في اليأس — قراراتٌ صغيرة في ظاهرها، عظيمة الأثر في مسار الروح. فالحياة لا تتبدّل بالقفزات الكبرى وحدها، تتغيّر بالتراكم؛ وكل اختيارٍ صغير هو حجرٌ جديد في بناء المصير.

غير أن بعض الناس يتكئون على فكرة القدر اتكاءً يُعفيهم من عناء المحاولة، فيرون أنفسهم ضحايا دائمين لسوء الطالع وتعسّر الظروف. ينسى هؤلاء أن القدر لا يُلغي الإرادة، وأن الطريق — مهما بدا مرسوماً — يتّسع لخطواتٍ متعددة الاتجاهات. قد لا نملك تغيير اتجاه الرياح، لكننا نملك ضبط الأشرعة. وتلك المسافة بين ما يحدث لنا وما نفعله حياله هي مساحة الحرية الحقيقية، وفيها تتجلّى إنسانيتنا بأبهى صورها.

أن تكون ابن اختياراتك يعني أولاً أن تعترف بمسؤوليتك عن حياتك. والمسؤولية ليست عبئاً خانقاً كما يتخيّل البعض، هي كرامة داخلية؛ هي أن تقول لنفسك بصدق: نعم، أخطأت وسأصحّح. نعم، تأخّرت، لكنني سأبدأ الآن. نعم، خفت، لكنني سأجرّب. في هذا الاعتراف الصادق تنكسر دائرة اللوم، ويتحوّل الندم من سوطٍ يجلد الذات إلى بوصلةٍ تهديها. فالإنسان لا يتقدّم حين يبحث عن مذنبين يحمّلهم أخطاءه، ولكن حين يبحث عن منافذ يعبر منها نحو غدٍ أفضل.

الاختيار فعل شجاعة؛ لأنّ كل قرارٍ نتّخذه هو، في الوقت نفسه، تخلٍّ عمّا سواه. حين نختار طريقاً نودّع طرقاً أخرى، وحين نتمسّك بقيمةٍ نرفض ما يناقضها. ولهذا يتردّد كثيرون في اتخاذ قراراتهم، لا خوفاً من الطريق المختار، بل أسفاً على الطرق المتروكة. غير أن النضج يعلّمنا أن الحياة لا يمكن أن تُعاش بكل الاحتمالات، بل بالالتزام بما نؤمن به. الاختيار الواضح يحرّرنا من التيه، ويمنح خطواتنا معنى واتجاهاً.

وللاختيار بُعدٌ أخلاقيّ لا يقلّ أهمية عن بُعده الشخصي؛ فهو ليس مجرد انتقاءٍ لما نرغب فيه، وإنّما لما نراه صواباً. قد يسهل على الإنسان أن ينجرف مع التيار، وأن يقلّد، وأن يبرّر، وأن يؤجّل. لكن الاختيار الأخلاقي يتطلّب يقظةً داخلية وبوصلة قيمٍ لا تضلّ بسهولة. أن تختار العدل حين يكون الظلم مربحاً، وأن تختار الرحمة حين تبدو القسوة مبرَّرة، وأن تختار الصمت الحكيم حين يغريك الضجيج — تلك اختيارات لا تغيّر الإنسان وحده، ولكن تعيد تشكيل العالم من حوله؛ لأن العالم، في نهاية المطاف، ليس سوى محصّلة قرارات أفراده.

ومن زاويةٍ أخرى، فالاختيار هو المعنى. الإنسان لا يحتمل العبث طويلاً؛ إنه يحتاج إلى أن يشعر أن لحياته اتجاهاً، وأن لأفعاله وزناً. حين نختار، نُعلن انحيازنا: لما نحب، ولما نؤمن، ولما نرجو أن نكونه. ومن هذا الانحياز تتكوّن هويتنا؛ فالهوية ليست بطاقة تعريف جامدة، هي سيرة قرارات. من اختار التعلّم صار طريقه معرفة، ومن اختار العطاء صار أثره نوراً، ومن اختار الهروب طال به التيه.

صحيحٌ أن بعض الطرق أصعب من غيرها، وأن أثمان الاختيارات ليست متساوية. قد يدفع الإنسان من راحته ليحفظ كرامته، ومن وقته ليبني مستقبله، ومن عاطفته ليصون اتزانه. غير أن هذا الثمن — مهما بدا ثقيلاً — يظل أقلّ كلفةً من العيش بلا اختيار: حياةٌ مؤجّلة، وندمٌ مزمن، وإحساسٌ خفيّ بأننا لم نعش كما ينبغي. فالحرية ليست أن نفعل ما نشاء بلا قيود، وإنّما أن نتحمّل نتائج ما نختار بوعيٍ ورضا.

وإذا كان الماضي قد امتلأ باختياراتٍ لم تكن موفّقة، فذلك لا يعني أن المستقبل محكومٌ بالعجز. ففي كل صباح فرصةٌ لاستعادة زمام الذات. ليس المطلوب أن نمحو ما كان، المطلوب أن نتعلّم منه. فالأخطاء دروسٌ متنكرة، والندوب خرائط نجاة، والتجارب — مهما كانت قاسية — يمكن أن تتحوّل إلى حكمةٍ إذا نظرنا إليها بوعيٍ وتأمّل. ما دمنا نملك القدرة على الاختيار، فنحن نملك القدرة على البدء من جديد؛ لأن البداية ليست زمناً، هي قرار.

نحن أبناء اختياراتنا لأننا نصير ما نكرّره. القرار يتبعه فعل، والفعل يعقبه ثبات، والثبات يصنع عادة، والعادة تبني طبعاً، والطبع يرسم مصيراً. هكذا، بخيطٍ غير مرئي، تتصل اللحظة العابرة بالحياة بأكملها. من يستخفّ بالاختيارات اليومية يستخفّ بمستقبله، ومن يوقّرها يمنح أيامه قيمةً متراكمة، حتى تتشكّل منها ملامح شخصيته ومسار حياته.

وفي النهاية، لسنا في صراعٍ مع القدر، نحن في شراكةٍ معه؛ هو يمنحنا المسرح، ونحن نكتب المشهد. قد تضيق المساحة أحياناً، وقد تتعثّر الخطوات، لكن القصة تظل قابلة لإعادة السرد ما دمنا نملك إرادة الاختيار. أن نعيش بوعيٍ يعني أن ندرك أن بين أيدينا خيوطاً كثيرة، وأن حركتنا — مهما بدت صغيرة — قادرة على تغيير شكل النسيج كله.

فلنختر بصدق، ونمضِ بثبات، ونتحمّل بشجاعة. لأننا حين نفعل ذلك، لا نكون أسرى ما يحدث لنا، ولكن صنّاع ما نصير إليه. نحن أبناء اختياراتنا، وفي هذا النسب سرّ كرامتنا ومعنى إنسانيتنا.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا

const GEMINI_KEY = "AIzaSyCMpJj1D41QmucE85rYxEva_IS5E8SvloU"; // ← ضع مفتاحك هنا