عن أي يوم عالمي نتحدث
مع اقتراب اليوم العالمي للمرأة الذي يوافق الثامن من آذار/مارس من كل عام نتساءل: عن أيِّ نساءٍ نتحدّث؟ في الغالب نتحدث عن نساءٍ رائعاتٍ كان لهنّ إسهام كبير في عالمنا، أو مؤثرات، أو معلمات فاضلات أو أمهات…
أما في هذا العام فلا أجد ما يدفعني للكتابة مع اقتراب هذا اليوم سوى التحدّث عن تلك الزهرات التي ذبلت خلف القضبان، وعن أمهاتٍ وبناتٍ وأخواتٍ يقبعن في زنازين معتمة موحشة.
في هذا اليوم، بينما ترتفع شعارات الحرية والعدالة والمساواة والتغني بيوم المرأة العالمي وحقوقها، تنتظر نساءٌ فلسطينياتٌ في السجون الإسرائيلية فجرًا طال انتظاره وأملًا كبيرًا بالعودة إلى حياتهن.
هناك أسيراتٌ في سجون الاحتلال الإسرائيلي يحملن في قلوبهنّ وجع الغياب، ويُخفين الدموع؛ كي لا يُحزِنّ ذويهن ولا يُوجِعن صغارهن، وكي يحافظن على صورة الصمود رغم شدة الألم.
نتحدّث عن أمٍّ حُرمت من احتضان طفلها، وعن طالبةٍ مُزِّقت دفاترها في لحظة اعتقالها، وعن مريضةٍ تُقاوم آلامها بلا دواء، وعن شابةٍ كان حلمها بسيطًا: أن تحيا حياة عادية فقط.
أيُّ يومٍ عالميٍّ هذا، والمرأة فيه تُقيَّد لأنها قالت “لا”، أو لأنها تمسّكت بحقّها في أرضها وكرامتها؟! تُقيَّد لأنها دافعت عن نفسها وأرضها.
أيُّ احتفاء هذا وهناك من تُحاصَر إنسانيتها وكرامتها قبل حريتها؟

إنّ الأسيرات قصصٌ حيّة وأحلامٌ مؤجّلة وقلوبٌ تنبض خلف الجدران تنتظر المعتصم، وقد تعبن وهنّ يقلن: وا معتصماه ولا مجيب.
هنّ بناتنا وأخواتنا وأمهاتنا وخالاتنا وعماتنا… هن زهرة البيوت التي تنتظر طرقات العودة تتزين لحريتهن.
في اليوم العالمي للمرأة الذي أقرّته الأمم المتحدة ليكون -كما تزعم- مساحةً لتكريم المرأة ونصرة حقوقها نقف أمامهن وأمام الضمير الإنساني ونسأل:
أين حقُّ الأسيرات في الأمان؟
أين حقُّهنّ في العلاج، وفي التعليم، وفي أن يعشن كباقي نساء العالم؟!
أسيراتنا يصنعن من الصبر وطنًا صغيرًا داخل الزنزانة، ومن الذكريات نافذة أمل بأن العدل سيسود هذه الأرض في يوم من الأيام.
يتقاسمن الخبز والوجع والحكايات.
ورغم قوّتهن، فتلك القوّة لا تُلغي الألم ولا تلغي أنوثة تعذب بكل قسوة، وحتى الصمود لا يعني أن القلب لا ينكسر في كل لحظة اشتياق، وفي كل ذكرى جميلة تمرّ في خواطرهن.
في هذا اليوم لا نريد وردًا يُزيّن الأماكن لهن بل نريد حريةً تمنح لهن.
لا نريد خطاباتٍ منمّقة، بل نريد عدالةً تُنصف الأسيرات، وتعيد لهنّ ما سُلب من أعمارهن ظلمًا.
عن أيّ نساءٍ نتحدّث؟!

نتحدّث عن تلك الزهرات اللواتي ذبلت وراء القضبان، لكنّ عطرهنّ ما زال يملأ قلوب الأحرار.
نتحدّث عن نساءٍ كتبن أسماءهنّ على جدار السجن ليبقى التاريخ شاهدًا على أن الحرية لا تُؤسر، وأن الكرامة لا تموت، وأن الوطن غالٍ جدًّا.
في اليوم العالمي للمرأة
كلُّ التحية لأسيرات الحرية…
لمن علّمن العالم أن المرأة قلبه النابض، وروحه التي لا تُكسَر، وبأنها تدافع عن شرف الأمة ولو أحاطت بها الجدران وكبّلتها
القيود.
في اليوم العالمي للمرأة الأسيرات لا يردن إلا الحرية، فهي الامتحان الحقيقي لضمير العالم.
لهذا تدعوكم حملة الأشرطة الحمراء للمشاركة في وقفةٍ تضامنية يوم الجمعة القادمة الساعة السادسة مساءً في قلب لندن؛ للتضامن مع 66 أسيرةً فلسطينيةً يقبعن في سجون الاحتلال.
من يستطيع الحضور فليفعل، وليكن صوتهن في زمن ضاعت فيه أصوات الحق وبُعثِرت فيه الكرامة.
اقرأ أيضًا:
- إرادةُ اللهِ فوقَ ما نُريد… وليسَ للإنسانِ إلّا ما سعى
- هل نفهم التديّن حقًا؟
- بين مطرقة الفأس وسندان “تعريف الإسلاموفوبيا “.. هل تخذل حكومة ستارمر المسلمين في رمضان 2026؟
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
