6 محاولات لانتزاع إجابة واحدة.. وزير الدفاع البريطاني يثير الحيرة بشأن موقفه من ضربات إيران
في لحظة إقليمية مشتعلة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالقانون الدولي والسياسة الداخلية، اختارت الحكومة البريطانية أن تقف في منطقة رمادية: لا تأييد صريح للضربات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ولا إدانة لها. هذا التموضع الحذر وضع كير ستارمر تحت ضغط متصاعد، داخليًا وخارجيًا، وفتح نقاشًا واسعًا حول حدود الدور البريطاني في التصعيد الجاري.
موقف بريطاني حاد تجاه طهران… ومتحفظ تجاه الضربات
رئيس الوزراء كير ستارمر وصف النظام الإيراني بأنه “بغيض للغاية”، فيما قال وزير الدفاع جون هيلي إنه “مصدر للشر”. اللغة قاطعة، لكن حين وصل السؤال إلى جوهر المسألة — هل تدعم بريطانيا الضربات الأميركية والإسرائيلية؟ — بدا المشهد أقل وضوحًا.

خلال مقابلة تلفزيونية مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، طُرح السؤال على هيلي ست مرات. في كل مرة، تهرّب من الإجابة المباشرة، مكتفيًا بالقول إن بريطانيا “لم تشارك في الضربات”، وأنها تشترك مع حلفائها في هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي. أما بشأن قانونية الهجوم الأميركي، فأحال الأمر إلى واشنطن، معتبرًا أن على الولايات المتحدة أن تشرح أساسها القانوني.
الرسالة بدت محسوبة: إدانة سياسية لإيران، لكن دون تبنٍّ رسمي للعمل العسكري.
دييغو غارسيا وفيرفورد… خطوط حمراء؟
التوتر لم يقتصر على التصريحات. أفادت صحيفة التايمز بأن ستارمر رفض طلبًا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي أو قاعدة فيرفورد في غلوسترشاير لتنفيذ الضربات.
هاتان القاعدتان تُعدان من أهم الأصول العسكرية المشتركة بين لندن وواشنطن، واستخدامهما كان سيعني عمليًا انخراطًا بريطانيًا مباشرًا. رفض الطلب، بحسب التقارير، أثار انزعاجًا داخل البيت الأبيض.
في المقابل، شدد هيلي على أن القوات البريطانية شاركت في عمليات “دفاعية نشطة”، بينها مهام فوق قبرص، في إطار حماية الحلفاء من أي رد إيراني محتمل.
بعبارة أخرى: دفاع نعم، هجوم لا.
ضغط يميني… وتعديل جزئي في موقف الحكومة
في المقابل، أيد زعيم حزب “ريفرم” نايجل فاراج الضربات، مطالبًا الحكومة بالسماح باستخدام القواعد البريطانية “لدعم الأميركيين في هذه المعركة”.
كما أعلنت زعيمة المحافظين كيمي بادنوك دعمها للولايات المتحدة وإسرائيل، معتبرة أن إيران “تهديد مباشر”.
لكن الحكومة نفسها تجنّبت إعلان تأييد صريح، واكتفت بالتشديد على أنها لا تريد لإيران امتلاك سلاح نووي، وأن أولويتها هي “تجنّب التصعيد الإقليمي”.
غير أن الموقف شهد تحولًا جزئياً في 1 آذار/مارس 2026، إذ وافق كير ستارمر على طلب أميركي باستخدام قواعد بريطانية لتنفيذ ضربات دفاعية محددة تستهدف صواريخ إيرانية “في مصدرها”، سواء في مخازنها أو منصات إطلاقها. واعتُبرت الخطوة جزءًا من “الدفاع الجماعي” عن الحلفاء، ووسيلة لحماية الأرواح البريطانية في المنطقة، حيث يُقدَّر عدد المواطنين البريطانيين بنحو 200 ألف شخص.
وشدّد ستارمر على أن لندن لن تشارك في عمليات هجومية، مؤكدًا أن حكومته “تعلمت من دروس العراق 2003”، وأن دور القوات البريطانية يقتصر على الانخراط في عمليات دفاعية إقليمية، بما في ذلك مهام جوية ضمن ترتيبات الحماية القائمة.
أصوات ترى الضربة غير قانونية
في الجهة الأخرى، برزت مواقف معارضة داخل البرلمان وخارجه. رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم، إميلي ثورنبيري، شككت علنًا في الأساس القانوني للعملية، قائلة إن الضربات لا تستند إلى تهديد وشيك يبررها بموجب القانون الدولي.
كما أعرب نواب من الجناح اليساري في حزب العمال وحزب الخضر عن رفضهم للعملية، معتبرين أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا وقد تجر بريطانيا إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط.
منظمات مناهضة للحرب بدورها حذّرت من “تكرار سيناريو العراق 2003”، ودعت الحكومة إلى عدم الانجرار خلف واشنطن.
رأي عام منقسم

استطلاعات أولية أفادت بأن 58% من البريطانيين يعارضون استخدام قواعد بلادهم لضرب إيران. وبما يعكس انقسامًا واضحًا بين من يرى في الضربات ردعًا ضروريًا، وبين من يعتبرها عملًا عدوانيًا يفتقر إلى الشرعية الدولية، تبدو لندن أبعد ما تكون عن الإجماع.
اتصالات إقليمية… وتأكيد على الدور الدفاعي
في خضم التصعيد، أجرى ستارمر اتصالات مع ملك البحرين وولي عهد الكويت وملك الأردن. بيان داونينغ ستريت تحدث عن تضامن بريطاني في مواجهة “تصعيد إيراني خطير” شمل صواريخ وطائرات مسيّرة.
الحكومة أكدت أن طائرات بريطانية تحلق ضمن “استجابة دفاعية منسقة” لحماية الشركاء في المنطقة، مع أولوية لسلامة المدنيين، بمن فيهم البريطانيون والقوات المنتشرة هناك.
الخطاب الرسمي يتمحور حول الحماية والاحتواء، لا المشاركة في الضربات.
بين التحالف والحذر

المعضلة التي تواجه ستارمر ليست بسيطة. بريطانيا شريك استراتيجي وثيق للولايات المتحدة، لكن أي انخراط مباشر في هجوم قد يُنظر إليه كتصعيد إقليمي واسع، وربما يثير تساؤلات قانونية وسياسية داخلية.
لهذا بدا موقف الحكومة أقرب إلى معادلة دقيقة: تشارك في الردع الدفاعي، ترفض استخدام أراضيها لشن هجوم شامل، وتترك للولايات المتحدة مهمة تبرير قانونية تحركها.
السؤال الذي يلاحق داونينغ ستريت الآن ليس فقط: هل الضربات مبررة؟ بل أيضًا: إلى أي مدى تستطيع بريطانيا البقاء في هذه المنطقة الرمادية إذا اتسع نطاق المواجهة؟
ففي أوقات الأزمات، المناطق الرمادية لا تدوم طويلًا. ومع استمرار التصعيد، سيصبح على الحكومة أن تجيب بوضوح: هل تعتبر الضربات دفاعًا مشروعًا… أم خرقًا للقانون الدولي؟
السؤال الذي تهرّب منه وزير الدفاع ست مرات، ربما لن يستطيع التهرّب منه في المرة السابعة.
المصدر: التايمز
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
